بيع عفوًا رئاسيًا لسلفاكير مقابل مبالغ ضخمة بسجن جوبا
في خطوة وُصفت بأنها مبادرة للمصالحة والوئام الوطني، أعلن الرئيس سلفاكير ميارديت في الحادي والثلاثين من ديسمبر 2025 العفو عن 97 نزيلاً في مختلف سجون جنوب السودان. غير أن هذه المبادرة الإنسانية تحولت، خلف أسوار سجن جوبا المركزي، إلى ما يشبه “سوقاً للحرية”، تُباع فيها فرص الإفراج لمن يملك المال، وفق تحقيق استقصائي أجراه راديو “تمازج” استنادًا إلى شهادات نزلاء حاليين ومفرج عنهم.
وكشفت التحقيقات عن فساد ممنهج شاب تنفيذ المرسوم الرئاسي داخل أكبر سجون البلاد، حيث ارتبط الإفراج بدفع مبالغ مالية ضخمة لمسؤولين في السجن، ما أبقى النزلاء الفقراء—وهم الأكثر استحقاقًا للعفو—قيد الاحتجاز.
ورغم أن سجلات السجن تشير إلى إطلاق سراح 30 نزيلاً في 7 يناير 2026، ثم 9 آخرين في 11 يناير، ليصل العدد إلى 39 مفرجًا عنهم، إلا أن شهادات متعددة تؤكد أن هذه الإفراجات لم تُبنَ على معايير قانونية، بل على قدرة السجين أو أسرته على الدفع.
يروي “نيونق دوت” (اسم مستعار)، أحد المفرج عنهم، أن عائلته اضطرت لدفع 400 ألف جنيه جنوب السودان لتأمين خروجه. ويقول بأسى: “شاهدت زملاء لي يبقون خلف القضبان فقط لأنهم لا يملكون المال. تركتهم يعانون في أوضاع غير إنسانية”. ويصف دوت الزنازين بأنها مكتظة إلى حد يتسبب في تفشي الأمراض ووقوع وفيات بين السجناء.
ولم يتوقف الأمر عند الرشوة، بل امتد إلى التلاعب بالقوائم الرئاسية نفسها. “سليمان بيتر” (اسم مستعار)، المعتقل منذ عامين، يؤكد أن اسمه كان ضمن القائمة الأصلية التي وقعها الرئيس، لكنه أُزيل واستُبدل بنزيل آخر دفع ما بين 500 ألف و1.5 مليون جنيه. ويقول بمرارة: “إذا كانت الحرية لمن يدفع فقط، فالفقراء محكوم عليهم بالموت في سجن صُمم لـ500 شخص ويضم الآن أكثر من 4,000”.
أما “جوزيف ملويث” (اسم مستعار)، وهو نزيل آخر تم استبعاده، فيصف ما يجري بأنه “تمييز صارخ”، مضيفًا: “بأي سلطة يُباع عفو الرئيس؟ هذه ليست عدالة ولا رحمة، بل تجارة بالبشر”.
وعند مواجهة اللواء جوزيف بنجامين، مدير خدمة السجون الوطنية، بهذه الاتهامات، اكتفى بتأكيد عدد المفرج عنهم، رافضًا التعليق على مزاعم الفساد والابتزاز.
وفي المقابل، وجهت دوروثي درابوغا، رئيسة تحالف الأراضي في جنوب السودان، انتقادات لاذعة للسلطات، معتبرة أن ما يحدث “استغلال بشع للفقراء”، مؤكدة أن مسؤولي السجون لا يملكون أي سلطة لتسعير العفو الرئاسي، وأن ما يجري يمثل فسادًا يستوجب التحقيق والمحاسبة.
ورغم أن الدستور الانتقالي ينص بوضوح على أن العفو الرئاسي عمل سيادي لا يجوز مقايضته بالمال، تلتزم رئاسة الجمهورية الصمت حتى الآن، إذ لم تنجح محاولات راديو “تمازج” المتكررة في الحصول على تعليق من مكتب الرئيس سلفاكير بشأن هذه التجاوزات.
وتسلط هذه القضية الضوء على هشاشة منظومة العدالة في جنوب السودان، وعلى معاناة السجناء الفقراء الذين يجدون أنفسهم عالقين بين الفقر والفساد، في وقت يُفترض أن تكون فيه مبادرات العفو نافذة للرحمة لا بوابة للابتزاز.
نبض السودان
