الرؤية نيوز

رشان اوشي تكتب: هل يغير التمويل الأصغر معادلة التعافي في السودان؟

0 7

بفعل النهب والتدمير والنزوح، فقدت آلاف الأسر السودانية أصولها الإنتاجية، وتحولت من منتجة إلى مستهلكة تعتمد على التحويلات. هكذا حيث تنحصر الحياة في تأمين الحد الأدنى دون أفق واضح لإعادة بناء الدخل.

أحد أكبر تحديات ما بعد النزوح هو فقدان الأصول التي تتيح العودة إلى دورة الإنتاج. فالمزارع الذي فقد محراثه ومخزون البذور، أو “الصناعي” الذي نُهبت أدواته، اليوم لا يحتاج إلى دعم استهلاكي مؤقت، بل إلى تمويل يعيد بناء قدرته على العمل. من هنا تبرز أهمية التحول من التمويل الإغاثي إلى التمويل الموجه لإعادة تكوين رأس المال الإنتاجي.

في هذا السياق، يكتسب توجه بعض مؤسسات التمويل الأصغر نحو القطاعات الإنتاجية أهمية خاصة. فعلى سبيل المثال، توجّه أكثر من 80% من محفظة شركة “إرادة” للتمويل الأصغر — إحدى شركات بنك الخرطوم، إلى القطاعين الزراعي والحيواني، بقيمة تقارب 14.7 مليار جنيه من إجمالي محفظة قائمة تبلغ نحو 18.5 مليار جنيه، استجابة لحاجة المجتمعات المتضررة لإعادة تشغيل الأرض والأنشطة المرتبطة بها.

تعتمد “إرادة” نموذج يربط التمويل مباشرة بمدخلات الإنتاج، لا بالقروض النقدية فقط، عبر تمويل البذور والآليات وأنظمة الري والبيوت المحمية والخدمات المرتبطة بدورة الإنتاج، بما يقلل من مخاطر توجيه الأموال للاستهلاك الطارئ ويزيد فرص الاستدامة.

وفي بيئة فقدت فيها الضمانات التقليدية بسبب النهب والتدمير، برزت منهجيات التمويل الجماعي ورهن المنقولات كبدائل عملية للضمان العقاري، ما أتاح وصول عشرات الآلاف من صغار المنتجين إلى التمويل رغم هشاشة أوضاعهم، وأعاد تعريف الجدارة الائتمانية على أساس القدرة على الإنتاج لا امتلاك الأصول.

في ملف تمكين النساء، يجري ربط التمويل بالتدريب وبمشروعات محددة لخفض معدلات التعثر وزيادة فرص الاستمرار، خاصة في بيئات النزوح حيث تتحمل النساء أعباء اقتصادية متزايدة بعد فقدان مصادر الدخل التقليدية للأسر.كما شمل التمويل أنظمة الطاقة الشمسية للمنازل والمشروعات الصغيرة في المناطق التي تضررت فيها الشبكات العامة، حيث يصبح توفر الطاقة شرط أساسي لاستمرار أي نشاط إنتاجي، ما يجعل التمويل أداة لتعويض فجوات البنية التحتية.

مع ذلك، تكشف التجربة عن حدود دور التمويل في بيئات عالية المخاطر، إذ لا تزال بعض المناطق خارج دائرة التعافي بسبب استمرار العمليات العسكرية وضعف الخدمات، وهو ما يتطلب سياسات أوسع تتكامل فيها أدوات التمويل مع برامج إعادة الإعمار.

في المحصلة، تقدم تجربة “إرادة” نموذجاً لتمويل أصغر ينتقل من دائرة الإغاثة إلى إعادة بناء الأصول ودعم الإنتاج. ورغم أنه لا يشكل حل كامل لأزمة الاقتصاد الوطني، إلا أنه يضع أساس ضروري للتعافي عبر إعادة المواطنين إلى العمل وربط التمويل بالقدرة على الإنتاج لا بمجرد الحاجة، وهو فارق حاسم بين اقتصاد يعيش على المساعدات وآخر يبدأ في ترميم نفسه من القاعدة.

محبتي واحترامي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.