عثمان ميرغني يكتب : دولة .. بعقول كبيرة كثيرة
سمعت تعليقاً لأحد الزملاء يقول: إن حرب الخليج الرابعة الدائرة حالياً شغلت الدول الكبرى، وهي فرصة للسودان كي يُسرّع بطي صفحة التمرد عسكرياً. ولا أريد هنا المجادلة في موضوعية هذا القول، لكن يهمني فيه نقطة واحدة: أن العالم «مشغول» بما لا يسمح له بالنظر إلى أبعد من الدراما التي تعرضها شاشات الإعلام العالمي.لنبدأ بطرح سؤال مهم: هل إذا انشغلت الدولة – أية دولة – بأحداث أو قضية بعينها، يحجب ذلك عن نظرها قضايا أخرى فلا تستطيع أن تركز عليها أو حتى تشعر بها؟
وكأنما هو تعبير عن الصورة القرآنية ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فكذلك: وما جعلنا لدولة من قلبين في جوفها. فإذا انشغلت بأحداث غرقت في ظلمات لا ترى فيها إلا بريق الصواعق المدوية، ولا تسمع إلا هدير القنابل المدوية.
الواقع أن الدولة الحديثة التي تديرها مؤسسات حقيقية تستطيع أن تفكر وتتابع وتخطط وتراقب آلاف الأحداث والقضايا وتتفاعل معها في آنٍ واحد؛ لأن عقل الدولة الحديثة لا تحتكره مؤسسة واحدة أو شخصية واحدة.
لكن إذا تحولت الدولة إلى دائرة نصف قطرها شخص واحد، فهنا فعلاً لا تستطيع أن تتفاعل أو تدير مصالحها على الصعد كافة، فتركز في كل مرة وتميل على جنب واحد، مما يؤدي إلى إهدار كثير من المصالح والفرص، بل وتعطيل المستقبل؛ لأن الدولة بهذا الشكل تصبح مثل الإنسان المتخلف عقلياً: ينمو جسده مع تقدم عمره ويظل عقله متوقفاً في سن أصغر.
نحتاج في السودان إلى تطوير الدولة – وأقول «الدولة» لأنها أشمل – فهي تعني النظام الحاكم بمؤسساته السيادية والتنفيذية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية، بدلاً من أن نركز فقط على القطاع السياسي وحده. فالخلل في سوداننا هو خلل دولة، وليس مجرد خلل في نظام حكم.
الحرب الدائرة في السودان اليوم هي مجرد صفحة في التاريخ سيطويها الزمن قريباً بإذن الله، لكن يبقى بعد ذلك السؤال السرمدي المستمر: أين الدولة؟
الدولة بمؤسساتها كافة، التي تستطيع أن تدير كل شؤونها مهما تعقدت في آنٍ واحد: تحارب إن دعا الأمر دون أن يؤثر ذلك على جودة الخدمات التعليمية والصحية والتنموية، بل وحتى الترفيهية. أن لا يتخلف طالب واحد ولو ليوم واحد عن مقاعد الدراسة في المدرسة أو الجامعة، ولا يفقد مريض واحد فرصة العلاج أو الدواء، ولا يُعلَّق الدوري العام لكرة القدم، ولا تُلغى حفلة أو مسرحية في المسرح القومي أو غيره، بل ولا تُؤجل عروس ليلة زفافها، ولا طفل حفلة عيد ميلاده بسبب يرتبط بالدولة.
يجب أن تكون دولتنا ماكينة ضخمة عملاقة تديرها تروس كثيرة.. عقول كبيرة.
التيار
