عثمان عكرة يكتب: وزير البحث عن وظيفة .. انكسار هيبة المنصب أم انتصار لنزاهة الأكاديمي؟
كشفت صحيفة سودانية عن خطوة غير مسبوقة في أروقة الجهاز التنفيذي، حيث رصدت قيام وزير الثروة الحيوانية والسمكية، البروفيسور المنصوري، بنشر (بوست) عبر حسابه الموثق على منصة (LinkedIn) يطلب فيه الحصول على وظيفة بدوام جزئي (Part-time). وبشفافية صادمة، برر الوزير خطوته بأن راتبه الوزاري ضعيف ولا يكفي للإيفاء بمتطلبات المعيشة، مبدياً استعداده للعمل مستشاراً أو مساعد باحث.
هذا الكشف الصحفي لم يمر مرور الكرام، بل فجر قنبلة من الأسئلة حول حال الدولة ومن يقودونها؛ فمنشور الوزير ليس مجرد بحث عن دخل إضافي، بل هو (مانشيت) عريض يلخص أزمة الهيكل الراتبي والمنظومة الأخلاقية والقانونية في السودان.
المأزق الدستوري: النص في مواجهة الواقع
بالنظر إلى المرجعيات القانونية، نجد أن الوثيقة الدستورية كانت حاسمة في مادتها رقم (19)، التي حظرت على أعضاء مجلس الوزراء ممارسة أي مهنة حرة أو عمل تجاري أثناء شغلهم للمنصب. والهدف من هذا النص هو ضمان التفرغ الكامل لمهام الدولة، ومنع نضارب المصالح.
لكن، كيف يمكن للدولة أن تطالب الوزير بالنزاهة والتفرغ وهي تعجز عن توفير (حد الكفاية) له؟ هنا تبرز الإشكالية: هل نطبق النص القانوني حرفياً ونترك الوزير لمواجهة الفقر، أم نغض الطرف عن العمل الإضافي فنفتح باباً لشرعنة الانشغال عن مهام الوزارة بمهام القطاع الخاص؟
ازدواجية المعايير: بين (سوداتل) و(لينكد إن)
قد يتساءل البعض عن الفارق بين طلب المنصوري وبين وجود مسؤولين كبار يرأسون مجالس إدارات شركات كبرى مثل (كنانة) أو (سوداتل) . الإجابة تكمن في (الصفة) ؛ فالوزير في مجلس إدارة الشركة الحكومية يمثل “سلطة الدولة” وحصتها، وهو تمديد لعمله الرسمي بقرار تعيين. أما بحث البروفيسور عن عمل بصفته الشخصية كخبير، فهو خروج عن (عباءة الدولة) بحثاً عن (رزق خاص) ، وهو ما يضع هيبة المنصب العام في اختبار حقيقي أمام الرأي العام.
الشفافية الصادمة كأداة احتجاج
يمكن قراءة خطوة الوزير كفعل احتجاجي بليغ. بدلاً من اللجوء إلى النثريات الملتوية أو استغلال النفوذ لتمرير صفقات تحت الطاولة، اختار المنصوري أن يعلن حاجته بكرامة الأكاديمي. هو يقول للنظام الحاكم وللشعب: هذا هو حال من يريد العيش بشرف في كنف الدولة اليوم. إنه اعتراف رسمي بانهيار القوة الشرائية، فإذا كان هذا حال الوزير، فماذا ترك للموظف الصغير؟
بين المطرقة والسندان
يقف البروفيسور المنصوري الآن في منطقة رمادية قانونياً وأخلاقياً. فممارسة عمل إضافي تخدش نص الدستور وتشتت الجهد التنفيذي المطلوب لقطاع حيوي كالثروة الحيوانية. والحل في الدول التي تحترم الحوكمة يكمن في مسارين: إما تعديل مخصصات الدستوريين بما يحفظ كرامتهم ويمنعهم من التطلع للخارج، أو استقالة المسؤول ليتفرغ لعمله الخاص الذي يدر عليه دخلاً أكرم.
منشور المنصوري هو ترمومتر للأزمة السودانية؛ لقد كسر هيبة المنصب ليحمي هيبة ذاته كعالم، وفي ذلك درس بليغ في النزاهة، وناقوس خطر يدق بشدة في ردهات مجلس الوزراء.
