عثمان ميرغني يكتب: بمنتهى العقل والمنطق
فكّر معي بهدوء وعقل واتزان ومنطق.
نأخذ مثالاً.. قصة الجنرال النور القبة، الذي كان من عتاة المتمردين، وقاتل الجيش منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب في صباح 15 أبريل 2023. تنقل بين ميادين المعارك بكل ما تحمله من انتهاكات وبشاعات، حتى وصل إلى الذروة في معركة الفاشر التي حطمت كل الأرقام القياسية في جرائم الحرب والانتهاكات الواسعة ضد عشرات الآلاف من بنات وأبناء المدينة المسالمة الوادعة.
ثم ماذا حدث بعد ذلك؟
انفض غبار المعارك، ومع وصول النور القبة إلى دنقلا، ظهرت مشاهد الاستقبال الكبير والعطايا والحفاوة التي حظي بها هو وقواته.
هنا يطل السؤال الذي أنا بصدده:
كيف انتقل النور القبة من أقصى درجات العداوة إلى أقصى درجات المودة؟
دون إضاعة الجهد في سرد أو تخيّل التفاصيل، فمن المؤكد أن هناك جولات من المحادثات والتفاهمات جرت خلف الكواليس.
إذا رسمنا المنحنى البياني، نجد أن النور القبة عندما تبادل أول كلمة مع الجيش كان في أوج عداوته، ثم بدأ — بالتدريج — خلال المحادثات السرية مع الجيش، رحلة الانتقال من العداوة إلى الانحياز.
بعبارة أخرى: بدأت المفاوضات والنور القبة في وضع “عدو جداً”، ثم تحول تدريجياً إلى “عدو بدون جداً”، ثم إلى منشق محتمل، ثم منشق فعلي، ثم منحاز.
وصلنا الآن إلى بيت القصيد:
المكونات والشخصيات السياسية في تحالف “تأسيس” تقف اليوم في وضع “عدو جداً”. ولكي تسلك المسار نفسه — من العداوة إلى “عدو بدون جداً” فالانشقاق فالانحياز — فإنها قد تحتاج إلى المفاوضات ذاتها التي احتاجها النور القبة ليعبر الطريق نفسه.
هنا يبرز السؤال الجوهري:
لماذا الفيتو ضد دخول “تأسيس” إلى مائدة الحوار السوداني؟
أليس هذا بالضبط البداية التي قد تغير مسارهم من العداوة إلى الانحياز للوطن والشرعية؟
التيار
