الرؤية نيوز

اخوان السودان بين ضغوط دولية وصراع داخلي… مبادرة طه محاولة لاحتواء الانهيار

0 34

متابعة/الرؤية نيوز
في لحظة تتداخل فيها تداعيات الحرب السودانية مع إرث سياسي لم يُحسم بعد، تبدو التحركات الأخيرة داخل التيار الإسلامي محاولة لإعادة ترتيب موقعه في مشهد يتغير بسرعة، حيث تتقاطع الحسابات الداخلية مع مسارات ضغط خارجي تمتد من العواصم الإقليمية إلى مراكز النفوذ الدولي. فالمبادرة التي يقودها علي عثمان محمد طه لاحتواء الانقسام داخل المؤتمر الوطني ليست مجرد خطوة تنظيمية، بل تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بقدرة الحركة الإسلامية على البقاء لاعباً مؤثراً في مرحلة ما بعد الحرب.
وتشير مصادر متعددة إلى أن طه يسعى إلى تهدئة التوتر بين جناحين يتنازعان السيطرة داخل الحزب: الأول يقوده علي كرتي وأحمد هارون، والثاني يتمحور حول نافع علي نافع وإبراهيم محمود. وقد وصلت الخلافات بين الطرفين إلى مستويات غير مسبوقة خلال الأشهر الماضية، ما دفع قيادات الحزب إلى تبني ترتيبات مؤقتة تقوم على تجميد الملفات الخلافية والإبقاء على الأنشطة التعبوية دون المساس بالبنية التنظيمية، في محاولة لتفادي انفجار داخلي قد يصعب احتواؤه لاحقاً.

ويُنظر إلى طه، الذي يحاول الظهور بمظهر الحكم البعيد عن تفاصيل الصراع، باعتباره أقرب إلى رؤية كرتي، التي تقوم على بناء علاقة مرنة مع الجيش السوداني باعتباره القوة الأكثر قدرة على إعادة فتح المجال السياسي أمام الإسلاميين. ويعتقد هذا التيار أن مستقبل الحركة مرتبط بنتيجة الحرب أو باستمرار حالة السيولة التي تسمح لها بالتحرك دون قيود، بينما يرى جناح نافع أن الرهان على الجيش غير مضمون، خاصة أن قرار حل الحزب صدر في عهد القيادة العسكرية بعد ثورة 2019.

لكن ما يجري داخل السودان لا ينفصل عن تحركات خارجية أكثر تعقيداً. فوفق تقارير إعلامية، بينها تقارير بثتها قناة DW الألمانية، أجرى علي كرتي خلال الأشهر الماضية سلسلة اتصالات مع شركات ضغط وشخصيات سياسية في الولايات المتحدة، إلى جانب محاولات لفتح قنوات تواصل مع شخصيات إسرائيلية ذات تأثير. وتكشف هذه التحركات عن محاولة لإعادة تقديم الحركة الإسلامية كطرف يمكنه القبول بتسوية سياسية، بما في ذلك التعامل مع ملفات المحكمة الجنائية الدولية، مقابل تخفيف القيود المفروضة على قياداتها وإعادة فتح قنوات التواصل مع الغرب.

وتعزز تصريحات رجل الأعمال والضابط السابق في الاستخبارات الإسرائيلية، آري بن ميناشي، هذا المسار، إذ قال إنه ساعد كرتي في ترتيب لقاءات مع مسؤولين أمريكيين، بينها لقاء مع وزير الخارجية الأسبق جون كيري في أديس أبابا. ورغم حساسية هذه التصريحات، لم تصدر الحركة الإسلامية أي تعليق رسمي، ما يترك الباب مفتوحاً أمام التأويلات حول طبيعة الدور الذي تسعى إليه في المرحلة المقبلة.

وفي المقابل، تتهم قوى سياسية أخرى — بينها تحالف السودان التأسيسي — الحركة الإسلامية بمحاولة استغلال الحرب لاستعادة نفوذها، مشيرة إلى أنها “تسيطر على القرارين السياسي والعسكري داخل سلطة بورتسودان”. ويعكس هذا الاتهام شعوراً واسعاً بين خصوم الحركة بأن الصراع الحالي ليس مجرد مواجهة بين الجيش والدعم السريع، بل أيضاً محاولة لإعادة إنتاج منظومة سياسية أُطيح بها في 2019.

وتأتي هذه الاتهامات في ظل ضغوط دولية متزايدة، خاصة بعد أن صنّفت الولايات المتحدة جماعة الإخوان المسلمين في السودان تنظيماً إرهابياً في مارس الماضي، متهمة إياها بتجنيد آلاف المقاتلين بدعم من إيران. وقالت الخارجية الأمريكية إن الجماعة دفعت بأكثر من 20 ألف مقاتل إلى الحرب، تلقى عدد منهم تدريباً من الحرس الثوري الإيراني، في خطوة تعكس رغبة واشنطن في الحد من نفوذ الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية.

وتتزامن هذه التطورات مع حرب مدمرة دخلت عامها الرابع، مع نزوح ملايين الأشخاص ومعاناة نصف السكان من صعوبات حادة في الحصول على الغذاء. وفي ظل هذا الانهيار الإنساني، تبدو التحركات السياسية التي تجري خلف الكواليس جزءاً من معركة أوسع حول مستقبل السلطة في السودان، أكثر منها محاولة لإنهاء الحرب.

وتكشف هذه الصورة المتشابكة عن مفارقة لافتة: فبينما تُتهم الحركة الإسلامية بأنها أحد الأطراف التي ساهمت في إشعال الصراع، تسعى في الوقت ذاته إلى تقديم نفسها كجزء من الحل، مستفيدة من شبكات نفوذ تمتد من واشنطن إلى تل أبيب. وفي المقابل، ترى قوى أخرى أن أي تسوية تشمل الإسلاميين ستعيد البلاد إلى دائرة النفوذ القديم، وتُبقي جذور الأزمة دون معالجة.

وفي النهاية، يبدو أن مستقبل الإسلاميين — مثل مستقبل السودان نفسه — لن يُحسم فقط في ساحات القتال، بل أيضاً في غرف التفاوض ومكاتب الضغط السياسي، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية مع حسابات الفاعلين المحليين. وبينما تستمر الحرب في تمزيق البلاد، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يمكن لأي تسوية تُصاغ في هذه الظروف أن تعالج جذور الأزمة، أم أنها ستعيد إنتاج توازنات هشة تُبقي السودان في دائرة الصراع؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.