بعد مقال بعنوان لماذا تعادي إثيوبيا السودان..السلطات الإثيوبية ترد على الصحفية السودانية رشان أوشي بمقال غريب
متابعة/الرؤية نيوز
وصلنا مقال للصحفية السودانية رشان أوشي المنشور تحت عنوان “لماذا تعادي إثيوبيا السودان؟”، ورغم أننا نترفع عادة عن الدخول في هذه السجالات، إلا أن حجم التعبئة الممنهجة يفرض علينا الرد هذه المرة.
بداية، نقدر فيكِ شجاعتك المهنية المعروفة في مواجهة الفساد، وهي مسيرة دفعتِ ثمنها غالياً من حريتك الشخصية، وهو ما يمنحنا الحق في مخاطبة قلمك بموضوعية، بعيداً عن لغة الشحن العاطفي التي باتت تطغى على الخطاب السياسي السوداني تجاه إثيوبيا.
إن ما يجري اليوم هو شحن مقصود وممنهج ضد إثيوبيا، تقوده أقلام كبار الصحفيين والمسؤولين الحكوميين والنشطاء، بهدف وحد وهو زرع الكراهية في وجدان الشعب السوداني وتصوير إثيوبيا كعدو أبدي ليغضوا الطرف عن كارثتهم الحقيقية المتمثلة في هذه الحرب اللعينة التي تبتلع السودان وتمزق نسيجه يوماً بعد يوم، بينما هم يتفرجون ويستثمرون في الخراب. ولم يعد هناك شيء يتوارى خلف الستار، فالحقائق كلها أصبحت مكشوفة للعلن.
إن المشكلة الحقيقية التي يتجنب جميع النخب السودانية الخوض فيها هي أن السودان اليوم لا يمتلك قراره الوطني المستقل، بل هو واقع تحت ارتهان سياسي وأمني كامل، وهو “الفيل الموجود في الغرفة” الذي يتعامى الجميع عن رؤيته. إن تباكي النخبة السودانية على السيادة الوطنية يبدو مفارقة عجيبة حين يتم غض الطرف عن هذا الارتهان الذي يملي على البلاد مواقفها. ولكن حتى إن تم تجاهل هذا الواقع، وقلنا ان لا شان لإثيوبيا به.
حين تتحدثين عن تدخلات إثيوبية، ولكن أين صوتكِ وصوت زملائكِ أمام الحقائق الميدانية؟ لماذا الصمت المطبق عن تحالف “صمدوا” الذي جعل من السودان مقراً لافتتاحه ويضم مختلف أطياف المعارضة الإثيوبية المسلحة، وعن تدفق السلاح للمعارضين الإثيوبيين عبر الحدود السودانية طوال السنين الفائتة، وتمويل تلك الأسلحة من قبل أعداء إثيوبيا؟ إضافة إلى وجود قوات “التقراي” واستجلابها وتدريبها وتسليحها واستغلال اللاجئين داخل الأراضي السودانية. فهل هذا عمى سياسي أم خوف من “المصير المحتوم” الذي واجهتِ أنتِ جزءاً منه حين تجرأتِ على كشف الفساد؟ إن من يخشى قول الحق في قضايا الفساد هو ذاته من يرتجف قلمه أمام الحقائق الجيوسياسية الشائكة. فإثيوبيا ليست دولة ولدت اليوم، وإن كنا قد غضدنا الطرف عن الكثير، فإن أمنها القومي ومحاولة العبث به خط ليس أحمر فحسب، بل يعتبر تهديداً صريحاً سنعمل كل شيء من أجله.
مشكلة قادتك، بما فيهم السياسيون، والنشطاء وكبار صناع القرار في بلدك، هي أنهم لا يعرفون عن إثيوبيا شيئاً حقيقياً، بل يعتمدون على صور نمطية بالية وجهل مطبق، متمثلة في صورة بائعة الشاي الإثيوبية البسيطة التي كانت تعمل في بلدهم. وأخشى أنهم لا يعرفون عن السودان نفسه سوى مكان ميلادهم، وهم أنفسهم الذين يعتقدون أن المواطن من غرب السودان هو أجنبي لمجرد أن لونه ولغته يختلفان عنهم.
إن إثيوبيا اليوم، ورغم محاولات جرها لصراعات إقليمية وتعديات مستمرة على أمنها القومي لأكثر من ستة أعوام، تمارس أعلى درجات ضبط النفس. هذا الصبر ليس ضعفاً، بل هو انحياز لمصالح الشعب السوداني الشقيق الذي يطمح إلى حكومة مدنية نزيهة، بعيدة عن الانقلابات والارتهانات الخارجية التي جعلت من السودان ساحة لتصفية حسابات لا ناقة للشعب السوداني فيها ولا جمل.
وإن قلنا إن الجيش السوداني اليوم معذور لارتباطه بمصادر تسليحه، فأين دور الصحافة الحرة والنشطاء؟ أم هي عبارة عن خسارة دول من أجل دول أخرى؟ الحقيقة أن الصمت عن الممارسات التي تعبث بالأمن القومي الإثيوبي من داخل الأراضي السودانية هو الذي يفسد العلاقة، وليس العكس. يجب أن تكتب الحقيقة كاملة، لا الحقائق التي ترضي مراكز القوى فقط، فهذه هي جوهر الصحافة الحرة.
يذكر ان الاعلامية رشان اوشي كانت قد كتبت مقال بعنوان لماذا تعادي إثيوبيا السودان قالت فيه.
لماذا تسمح إثيوبيا للإمارات باستخدام أراضيها ومقدراتها العسكرية لمهاجمة المدن السودانية في إقليم النيل الأزرق عبر “مليشيا الدعم السريع”؟ ولماذا تتولى تدريب قوات المتمرد “جوزيف توكا” وتستجلب له المرتزقة؟ غير أن السؤال الأهم :ما الذي يدفع إثيوبيا لمناصبة السودان العداء؟
لقد تجاوزت القضية سجل العلاقة المتأرجح بين الهدوء والتوتر منذ استقلال السودان؛ إذ انتقلت إلى صراع مباشر يستهدف الأمن الحدودي، والمياه، والسياسة الإقليمية. إثيوبيا تمتلك مصالح وأطماع خاصة في السودان، وتبني حساباتها الاستراتيجية على الفشقة، وإقليم النيل الأزرق، والسيطرة على شرق السودان.
صحيح هناك مشروع إقليمي تقوده عدة دول، تلعب فيه الإمارات دور محوري إلى جانب المصالح الاقتصادية والأمنية لإسرائيل، إلا أن اختزال الموقف الإثيوبي في أنه مجرد “تنفيذ لأجندات خارجية” يجافي الحقيقة؛ فلإثيوبيا مشروعها الخاص أيضاً.
تؤكد دراسة صادرة عن مركز “تشاتم هاوس” بعنوان (تنسيق الاستجابات الدولية للتوترات بين إثيوبيا والسودان). وتحديداً في فصل (تفكيك القضايا الحدودية المشتركة)،أن النزاع حول الفشقة وسد النهضة، مع تداعيات حرب التغراي، تسبّب في ي تفاقم الصراع بين البلدين.
اذا لابد من العودة إلى عام 2020، حين رفض السودان مبادرة إماراتية تضمنت مشروعات تنموية وترتيبات حول منطقة الفشقة، كانت تقوم على توزيع العوائد بنسبة 20% للسودان، و20% لإثيوبيا، و60% للإمارات. إن تفاصيل هذه المبادرة تكشف بوضوح عن حجم الصراع الحقيقي على الأرض والمياه والموانئ والموارد.
بالنسبة لاثيوبيا ، ليس السودان مجرد دولة جارة، بل هو عمق يجاور مناطق حساسة في امنها القومي، ويتمتع بموقع استراتيجي على البحر الأحمر، كما تشكل أراضيه جزء مهم من الحسابات الاستراتيجية لإسرائيل في حوض النيل.
بناءً على ذلك، لا يمكن قراءة التحركات الإثيوبية في النيل الأزرق والفشقة بمعزل عن ملف سد النهضة، ولا عن تقاطعات المصالح مع مصر وإريتريا والسعودية، أو نفوذ الإمارات في السودان. إثيوبيا جزء من تحالفات إقليمية واسعة، لكنها في الوقت ذاته تخوض معركتها الخاصة دفاعاً عن طموحاتها ومصالحها الاستراتيجية.
محبتي واحترامي
