الرؤية نيوز

عثمان ميرغني يكتب : الفرصة الأخيرة.. مجددًا

0 22


خلال الأسابيع الماضية، كرر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان عبارة واحدة في كل خطاباته: “لا مفاوضات إلا بعد وضع السلاح والتجمع في معسكرات محددة”. قد تختلف الصياغة قليلاً، لكن المعنى يظل واحدًا وواضحًا.
ولكن..
لأن هناك من يراهن على أفق مفتوح للحرب، فقد لا يكون قد استوعب الرسالة التي أرادها البرهان، أو ربما فهمها لكنه يجتهد في طمسها بالغبار حتى لا تبدو جلية للرأي العام.
البرهان لم يرفض مبدأ المفاوضات، بل وضع شرطًا واضحًا: أن تكون حول تفكيك قوات الدعم السريع بشكل نظامي وبإشراف الجيش. وهذا بالضبط ما ظللت أكرره هنا خلال الفترة الماضية، ثم كررته كثيرًا في حملة إعلامية حاولت من خلالها إقناع رئيس مجلس السيادة بالمشاركة في مفاوضات سويسرا التي كانت مقررة في 14 أغسطس 2024. لكن تلك الجهود باءت بالفشل، إذ غاب الوفد الحكومي رغم تمديد الفرصة أكثر من مرة لتمكينه من الحضور إلى قاعات التفاوض.
الآن، أكد الرئيس البرهان موافقته على الدخول في مفاوضات، لكنه اشترط وقف إطلاق النار وسحب السلاح وتجميع قوات الدعم السريع في معسكرات تحت إشراف الجيش. كثيرون قد يتساءلون: ما معنى أن يوقف التمرد إطلاق النار، ثم يسلم أسلحته، ويذهب طائعًا مختارًا إلى معسكرات تعني عمليًا الاستسلام؟ وهل يقبل الدعم السريع بهذا الشرط؟
كتبت كثيرًا أن من أساسيات التفاوض ألا تفكر نيابة عن الطرف الآخر. عندما تُطرح شروط مثل هذه في سياق القبول بالتفاوض، لا ينبغي أن تخضعها لرقابة ذاتية تحدد معقوليتها، بل يجب ترك ذلك لديناميكيات التفاوض، بشرط أساسي: أن تتوفر رؤية واضحة للعملية التفاوضية والأهداف المرجوة منها.
كتبت كثيرًا أن الرؤية الأساسية في التفاوض، في ظل المعطيات الحالية، تتمثل في تعزيز الحضور الدولي والإقليمي للسودان، واستمالة أو تحييد القوى الخارجية المؤثرة على الأوضاع في البلاد. هل هناك أوضح من هذه الرؤية؟!
ولمزيد من الإيضاح، كتبت هنا -قبل مفاوضات سويسرا- أن المفاوضات الحقيقية هي بين السودان والمجتمع الدولي. هل تذكرون ذلك؟ وأن السودان يستخدم قاعة التفاوض لإيصال رسائله إلى القوى الخارجية المؤثرة، دون انتظار استجابة الطرف الآخر -الدعم السريع- بالقبول أو الرفض لعرض الحكومة بتفكيك قواته وتسليم أسلحتها.
وبالضرورة -على عكس ما يظن الكثيرون- فإن هذا العرض هو الخيار الأفضل لقوات الدعم السريع. فهو من زاوية يحقن دماء السودانيين من الجيش والتمرد والمواطنين على حد سواء، ويوفر فرصة لإنهاء الحرب بأفضل وسيلة تحقق السلام، وليس مجرد الانتصار العسكري. ومعلوم أن الانتصار العسكري سيتحقق للجيش بلا شك، لكن السلام يتحقق عبر عمل سياسي واعٍ.
الآن، في تقديري، وضع البرهان الكرة في ملعب الدعم السريع. إنها فرصة ذهبية ستتلاشى مع الزمن، ولن تصمد طويلاً إذا تأخرت الاستجابة لها. أن يضع الدعم السريع السلاح فورًا، ويبدأ في توزيع قواته على معسكرات تخضع لإشراف الجيش مباشرة، ثم تبدأ عملية تفاوضية قد تنهي الحرب بأقل تكلفة، وتوفر دماء كثيرة، وتنقذ أطفالاً من اليتم، ونساء من الترمل، ودموعًا غزيرة.
من الحكمة الاستماع إلى صوت العقل، قبل أن يصبح من المستحيل سماعه.

التيار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.