حكم مؤبد على كاتب سوداني … قضية تشعل الجدل حول استقلال القضاء
يمثل الحكم بالسجن المؤبد على الكاتب والمؤرخ خالد بحيري لحظة تكثّف فيها تعقيدات الحرب السودانية، ليس فقط بوصفها صراعًا مسلحًا، بل كمنظومة تعيد تشكيل علاقة الدولة بمواطنيها، وتعيد تعريف حدود ما يمكن قوله أو التفكير فيه في زمن تتراجع فيه الضمانات القانونية تحت وطأة العنف. فالقضية، التي انفجرت في ود مدني بعد عام من اعتقال بحيري، تكشف عن مدى هشاشة الفضاء المدني حين تتداخل الاعتبارات الأمنية مع القضاء، وحين يصبح التعبير ذاته جزءًا من معادلة الحرب.
وجاء اعتقال بحيري عقب سيطرة القوات المسلحة على مدينة ود مدني، حيث وُجهت إليه تهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، دون أن تُعلن تفاصيل واضحة حول طبيعة هذا التعاون. وتشير روايات محلية إلى أن الاتهامات صدرت في سياق حملات أمنية واسعة أعقبت استعادة الجيش السيطرة على المدينة، وهي حملات طالت موظفين وناشطين ومواطنين، ما جعل كثيرين ينظرون إلى القضية باعتبارها جزءًا من مشهد أكبر يتداخل فيه الأمني بالسياسي. وبحكم كتاباته في التاريخ المحلي والبحث الاجتماعي، أصبح بحيري شخصية يتابعها المثقفون والناشطون عن قرب، ما أضفى على محاكمته بعدًا عامًا يتجاوز شخصه.
ويمثل الحكم بالسجن المؤبد أحد أقسى الأحكام المرتبطة بتهم التعاون مع الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وهو ما يراه مراقبون مؤشرًا على تشدد قضائي متزايد تجاه أي شخص يُشتبه في ارتباطه بالقوات المنافسة للجيش، خاصة في المناطق التي شهدت مواجهات مباشرة. ويشير قانونيون إلى أن المحاكمات المرتبطة بالحرب باتت أكثر حضورًا في المشهد القضائي، مع تزايد الاتهامات المتعلقة بالدعم اللوجستي أو تقديم المعلومات، وهي تهم قد تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد، ما يعكس تحوّل القضاء نفسه إلى ساحة تتأثر مباشرة بامتداد الصراع.
وتأتي القضية في سياق أوسع يتعلق بولاية الجزيرة، التي شهدت واحدة من أعنف مراحل الحرب بعد دخول الدعم السريع إليها، ثم خروجها لاحقًا تحت سيطرة الجيش. ويقول سكان محليون إن المدينة لا تزال تعيش آثار تلك المرحلة، سواء على مستوى الأمن أو الخدمات أو الحياة العامة، بينما تستمر المحاكم في النظر في قضايا مرتبطة بتلك الفترة. وفي هذا المناخ، يصبح الحكم على بحيري جزءًا من سردية أكبر حول كيفية إدارة الدولة للمناطق التي شهدت تبدلًا في السيطرة العسكرية.
وقد أثار الحكم نقاشًا واسعًا حول مستقبل حرية التعبير في السودان خلال الحرب، إذ يرى ناشطون أن استهداف الكُتّاب والباحثين يفتح الباب أمام تضييق أكبر على الأصوات المدنية، في وقت تتراجع فيه البيئة السياسية المستقرة التي يمكن أن تضمن محاكمات عادلة. وفي المقابل، تؤكد جهات رسمية أن الإجراءات القضائية تأتي في إطار “حماية الأمن القومي” ومحاسبة كل من يثبت تورطه في دعم طرف مسلح خارج إطار الدولة، ما يعكس التوتر الدائم بين مقتضيات الأمن وحقوق الأفراد.
ومن المتوقع أن يتقدم محامو بحيري باستئناف ضد الحكم، في مسار قانوني قد يستغرق وقتًا طويلًا بالنظر إلى حساسية قضايا التعاون مع الدعم السريع وتعقيدها. ويرى مراقبون أن الحكم قد يشكل سابقة في قضايا مشابهة، خصوصًا في الولايات التي شهدت سيطرة متبادلة بين الجيش والدعم السريع، ما يجعل من قضية بحيري اختبارًا لطبيعة العدالة في زمن الحرب.
وتكشف القضية في مجملها عن التحولات العميقة التي أحدثتها الحرب في السودان، حيث باتت المحاكم تتعامل مع ملفات مرتبطة مباشرة بالصراع المسلح، بينما تتزايد الضغوط على المؤسسات العدلية في ظل انهيار الخدمات ونقص الكوادر وتعدد السلطات الفعلية في بعض المناطق. ويرى محللون أن استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من القضايا المشابهة، ما يضع النظام القضائي أمام تحديات كبيرة تتعلق بالعدالة والشفافية وضمان الحقوق الأساسية، في بلد يحاول إعادة تعريف مؤسساته وسط عاصفة لا تزال مفتوحة على احتمالات كثيرة
السودان نيوز
