الرؤية نيوز

بقلم: عثمان شيخ الدين (عكرة).. نيفاشا: حين انتهت الحرب وبدأت أزمة الدولة

0 1

لم تكن اتفاقية نيفاشا، عند توقيعها في عام 2005، مجرد تسوية سياسية أنهت أطول حرب أهلية في السودان، بل كانت لحظة فاصلة أعادت تشكيل الدولة، ومفهوم السلطة، وطبيعة الصراع السياسي برمّته. غير أن ما لم يُناقش بعمق في ذلك الوقت، هو أن السلام الذي أوقف صوت البنادق، فتح في المقابل بابًا واسعًا لأزمة دولة مركبة، تأجل انفجارها لسنوات، ثم وقعت دفعة واحدة.

بحلول عام 2011، وقبيل استفتاء جنوب السودان، تجلت ملامح تلك الأزمة بوضوح. ففي جوبا، توحّدت غالبية القوى السياسية في لحظة نادرة، لا بفعل توافق وطني حقيقي، بل بدافع كيدي فرضته هيمنة المؤتمر الوطني وعقليته الحاكمة آنذاك. كان ذلك التوحّد هشًا في جوهره، لكنه كشف عمق الخلل في بنية النظام السياسي أكثر مما عبّر عن اصطفاف مبدئي.

في ذلك المناخ المشحون، حاولتُ — كما كثيرين — استيعاب ما يجري خارج ضجيج المنصات، داخل جلسات الأُنس السياسي التي كانت لا تنقطع. يومها، راهنت على خيار بدا مستبعدًا، بل صادمًا: أن يُقدم المؤتمر الوطني على مصالحة وطنية جذرية مع محيطه السياسي، تبدأ منذ عام 2005، لا عبر التنازلات الشكلية، بل عبر خطوة أعمق تتمثل في التخلي عن الحزب نفسه بوصفه أداة حكم.

لم تكن هذه الفكرة قابلة للتصديق في ذلك الوقت. فقد ساد داخل خطاب المؤتمر الوطني إحساس متضخم بأن اتفاقية نيفاشا لم تُنهِ الحرب فحسب، بل فتحت الطريق لبناء دولة وفق مقاسه الخاص؛ دولة تُدار بعقليته، وتُحكم بمنطقه، وتُعاد هندسة المجال السياسي فيها بما يضمن تفوقه الدائم.

في المقابل، وجدت القوى السياسية الأخرى نفسها أمام معادلة قاسية: إما البحث عن موطئ قدم بأي ثمن، أو الذوبان والتلاشي خارج معادلة السلطة. هذه الحالة النفسية لم تكن عفوية؛ بل تشكّلت داخل مناخ مدروس، تجد فيه أطراف إقليمية ودولية فرصتها المعتادة في الاستثمار في التناقضات الداخلية، وإدامة الصراع بدل تفكيكه.

انطلقت رؤيتي آنذاك من قناعة أساسية: إن ادعاء المؤتمر الوطني تمثيل كل السودانيين، وهو في الوقت ذاته حزب حاكم مُحتكر للسلطة، لم يكن عائقًا أمام بقية القوى السياسية فحسب، بل كان سببًا مباشرًا في إضعاف تماسكه الداخلي. فالتكويش الحزبي أغلق المجال أمام الإحساس بتكافؤ الفرص، ووسّع دائرة الخصومة، وضخّم أزماته التنظيمية والفكرية.

وفي تلك المرحلة الحرجة، كان بقايا المجاهدين العائدين من الجنوب يعيشون فراغًا سياسيًا خانقًا؛ أفق مسدود، ودور غائم داخل حزب بلا هوية واضحة، تتقاطع داخله تناقضات الممارسة اليومية مع خطاب تعبوي لا يقدّم تصورًا حقيقيًا للأدوار والمسؤوليات في مرحلة ما بعد الحرب.من هنا طرحتُ فكرة بدت راديكالية في حينها: أن ينسحب المؤتمر الوطني من المشهد بصورته القائمة، ليُعاد تشكّله في فصيلين واضحين؛

فصيل إسلامي وطني يعيد تعريف نفسه في الفضاء العام،وتيار سلطوي/مدني يمكنه التحالف مع الفصيل الإسلامي وفق محددات وأهداف سياسية معلنة، بدل هذا الخليط الهجين الذي أربك الدولة وأضعف السياسة معًا.غير أن المعضلة الكبرى كانت — ولا تزال — أن الفراغ السياسي في دولة شديدة الاستهداف خارجيًا، ومحاصَرة بقوانين وعقوبات دولية، ليس ترفًا يمكن القفز فوقه. فالدول الواقعة تحت الضغط لا تتحرك بلا حساب دقيق لتكلفة المواقف، ولا تحتمل مغامرات سياسية غير محسوبة.

اليوم، وبعد مرور أكثر من عقدين، تبدو نيفاشا كأنها سلامٌ أُنجز على مستوى الحرب، لكنه تُرك دون استكمال على مستوى الدولة. لم تُطرح الأسئلة الصعبة في وقتها، ولم تُفتح ملفات إعادة التأسيس الجاد، فكان الثمن انهيار المعادلة السياسية لاحقًا، لا بسبب الاتفاق ذاته، بل بسبب ما أُريد له أن يحمله وحده دون مشروع وطني جامع.ربما لو كُتبت هذه الأفكار علنًا في وقتها، لا همسًا في الجلسات المغلقة، لتغيّر شيء… وربما لا.لكن المؤكد أن تجاهل أزمة الحزب الحاكم بوصفها أزمة دولة، كان أحد المفاتيح الكبرى لفهم ما آلت إليه البلاد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.