عثمان ميرغني يكتب : أرجوكم.. اسحبوا التصفيق
أول مرة ننتقل بمنتدى «كباية شاي» إلى خارج العاصمة، في العام 2022 إلى بورتسودان الجميلة.. الحضور كان كبيراً ومميزاً.. والمتحدث الرئيسي هو والي البحر الأحمر السيد عبدالله شنقراي. بدأ كلمته موجهاً خطابه إلى مواطنيه في الولاية قائلاً: «أنا لا أعدكم بشيء». دوى المكان بالتصفيق الحار.
كانت فرصتي في الحديث بعده مباشرة، فقلت مخاطباً الجمهور نفسه: «أرجوكم اسحبوا تصفيقكم للسيد الوالي.. كيف لا يعدكم وهو الذي يفترض أن مهمته الأساسية تقديم برنامجه الذي يلبي طموحاتكم؟».. والحقيقة أنهم استجابوا بسحب التصفيق، لكن مني.
بل ربما شعروا بأنني تجاوزت حدود اللياقة بطلب سحب التصفيق للوالي.. فقد يرون أن عدم الوعد يدل على درجة عالية من الصدق والشفافية.
وهذا الأمر لا يقتصر على جماهير ولاية البحر الأحمر بالضرورة.. ربما هي سمة غالبة على السلوك العام السوداني: اعتبار أن ما يقدمه المسؤول هو «فضلة خيره» وليس واجباً ملزماً به.. وقد يكون هناك بعض المسؤولين غير قادرين على العمل وتقديم الخدمات للمواطنين، ومع ذلك يستقبلهم الناس بالترحاب أينما ذهبوا، ويعدون تفضلهم بالمشاركة في مناسبات الأفراح والأتراح درجة عالية من الأداء التنفيذي تستحق الإشادة.
قبل سنوات، خلال حكم الإنقاذ، وعند افتتاح كوبري في الولاية الشمالية، وكانت درجة الحرارة عالية جداً.. لفت نظري أن الوفد الرسمي الذي جاء من الخرطوم لتشريف الحفل كانوا يجلسون داخل السرادق الجميل المريح المحاط بمكيفات الهواء الضخمة من كل جانب.. وأمام الوفد الرسمي وبقية المسؤولين أطباق التمر والفول السوداني والحلوى وزجاجات المشروبات الباردة.. بينما الجمهور الذي احتشد للحفل يقف تحت هجير الشمس يتصبب عرقاً، وعليهم أن يهتفوا بين الحين والآخر تحية للضيوف وكبار المسؤولين.
المواطن السوداني يتعامل مع السلطات في كل المستويات بمبدأ «عشة صغيرة كافية علينا».. ليس له مطالب إلا الضروريات الحتمية.. وحتى هذه يقبل بأدنى درجة منها.. عبرت عن ذلك النكتة الشهيرة في زمن الإنقاذ:
قالوا إن المعارضة أرادت إحراج الحكومة بإغضاب الشعب حتى يثور عليها، فنشرت إشاعة أن الحكومة قررت جلد كل مواطن 100 جلدة.. ففي الصباح شاهد الناس مواطناً يجري بسرعة نحو مقر الحكومة، فسألوه، فقال: «عاوز ألحق أنجلد قبل ما يزيدوها».
أسهل شعب يمكن حكمه.. هو شعب السودان.. لأنه بلا مطالب.. ويؤمن بأن «حبل المهلة يربط ويحل».
التيار
