ياسر العطا في أنقرة.. ماذا تريد تركيا من الجيش السوداني في هذا التوقيت؟
متابعة/الرؤية نيوز
استقبل وزير الدفاع التركي يشار غولر، في العاصمة أنقرة، رئيس هيئة الأركان السودانية الفريق أول ركن ياسر العطا، الذي وصل إلى تركيا في زيارة رسمية بدعوة من رئيس هيئة الأركان العامة التركية الجنرال سلجوق بيرقدار أوغلو، في خطوة تعكس تنامي الاتصالات العسكرية بين الخرطوم وأنقرة، وتكتسب أهمية خاصة في ظل التطورات الأمنية والعسكرية المتسارعة التي يشهدها السودان والمنطقة.
ويأتي اللقاء في وقت تسعى فيه تركيا إلى توسيع علاقاتها الدفاعية مع عدد من الدول الأفريقية، وتعزيز حضورها في ملفات الأمن الإقليمي والصناعات الدفاعية، فيما يخوض السودان مرحلة بالغة الحساسية بفعل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وما ترتب عليها من تحديات عسكرية وأمنية وإنسانية واسعة.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الزيارة تندرج في إطار بحث التعاون العسكري وتبادل الخبرات، إلى جانب مناقشة القضايا الأمنية ذات الاهتمام المشترك، في ظل علاقات سودانية–تركية شهدت خلال السنوات الماضية تطوراً ملحوظاً على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
أهمية الزيارة
وتبرز أهمية زيارة الفريق أول ياسر العطا إلى أنقرة من كونها تأتي على مستوى رفيع بين قيادتي المؤسستين العسكريتين في البلدين، وهو ما يمنحها بعداً يتجاوز الطابع البروتوكولي إلى بحث مسارات عملية للتعاون الدفاعي.
وتُعد تركيا من الدول التي طورت خلال السنوات الأخيرة قدرات متقدمة في الصناعات الدفاعية، ولا سيما في مجال الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية والمركبات المدرعة والتدريب العسكري، بينما يواجه الجيش السوداني تحديات مرتبطة بإعادة بناء وتطوير قدراته العملياتية في ظل الحرب.
ومن ثم، فإن أحد أبرز الملفات التي يمكن أن تحضر في مثل هذه المباحثات يتمثل في التدريب والتأهيل وتبادل الخبرات وتطوير القدرات الفنية والعسكرية، فضلاً عن إمكانات التعاون في مجال الصناعات الدفاعية والصيانة والدعم اللوجستي، بحسب ما قد تعلنه الجهات الرسمية عن نتائج الزيارة.
وتأتي الزيارة أيضاً في سياق تركي أوسع لتعزيز العلاقات العسكرية مع دول المنطقة. فقد شهد عام 2026 اتصالات دفاعية تركية رفيعة المستوى مع مصر ودول أفريقية أخرى، كما واصلت أنقرة توسيع اتفاقيات التعاون الدفاعي ونقل الخبرات والتقنيات مع شركائها.
السودان وتركيا.. تعاون يتجاوز الجانب العسكري
ولا تنطلق العلاقات السودانية–التركية من فراغ؛ فقد سبق أن شهدت السنوات الماضية تعاوناً بين البلدين في مجالات متعددة، فيما حافظت أنقرة على اهتمامها بالسودان وموقعه الاستراتيجي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ويكتسب البعد الجغرافي أهمية خاصة بالنسبة لتركيا، التي تعمل على تعزيز حضورها في أفريقيا والبحر الأحمر، وهي منطقة تتقاطع فيها ملفات الملاحة الدولية والأمن الإقليمي والتنافس الدولي على النفوذ.
وبالنسبة إلى الخرطوم، فإن تطوير العلاقات الدفاعية مع تركيا يمكن أن يمثل أحد مسارات تنويع الشراكات الخارجية، خصوصاً في ظل الحاجة إلى إعادة تأهيل المؤسسات والبنية العسكرية بعد سنوات من الاضطرابات والحرب.
الحرب في السودان تفرض نفسها على أجندة الزيارة
وتأتي المباحثات في توقيت حساس بالنسبة للسودان، إذ لا تزال الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تلقي بظلالها على مستقبل الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية.
ومن المرجح أن تكون التطورات الميدانية، ومستقبل المؤسسة العسكرية السودانية، واحتياجات القوات المسلحة في مجالات التدريب والتسليح والتأهيل، ضمن القضايا التي تحظى باهتمام خلال اللقاءات العسكرية، وإن كان من الضروري التمييز بين ما هو معلن رسمياً وما يمكن اعتباره قراءة سياسية أو تقديراً لمسار المباحثات.
وتكتسب تركيا، في هذا السياق، أهمية بالنسبة للخرطوم باعتبارها دولة تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متقدمة، فضلاً عن خبرة واسعة في تطوير المنظومات العسكرية المحلية. وقد أصبحت الصناعات الدفاعية التركية خلال السنوات الأخيرة عنصراً رئيسياً في السياسة الخارجية لأنقرة وشراكاتها مع الدول الصديقة.
رسالة سياسية وعسكرية
ويحمل استقبال وزير الدفاع التركي لرئيس الأركان السوداني، إلى جانب لقاءاته المرتقبة مع القيادة العسكرية التركية، رسالة واضحة بشأن مستوى الاهتمام الذي توليه أنقرة للعلاقة مع المؤسسة العسكرية السودانية.
كما أن إجراء الزيارة بدعوة من رئيس هيئة الأركان التركية يرفع من مستواها البروتوكولي والسياسي، ويشير إلى رغبة في إبقاء قنوات التواصل العسكري المباشر بين البلدين مفتوحة في مرحلة تشهد إعادة تشكيل للتحالفات والتوازنات في المنطقة.
وفي المقابل، فإن الخرطوم تبدو حريصة على الاستفادة من علاقاتها مع أنقرة في تطوير قدرات القوات المسلحة، وفتح المجال أمام تعاون دفاعي أكثر تنظيماً، خصوصاً في مجالات التدريب والتأهيل والتقنيات العسكرية والصيانة والصناعات الدفاعية.
وتأتي هذه التحركات في وقت توسع فيه تركيا شبكة شراكاتها الدفاعية في أفريقيا والشرق الأوسط؛ فقد وقعت أنقرة في 2026 اتفاقيات تعاون دفاعي مع دول أفريقية، فيما شهدت علاقاتها العسكرية مع دول عربية مثل مصر تطوراً ملحوظاً عبر تبادل الزيارات واللجان العسكرية والتعاون في الصناعات الدفاعية.
نحو مرحلة جديدة؟
وفي حال أسفرت زيارة رئيس الأركان السوداني عن اتفاقات أو برامج عملية، فقد تشكل خطوة أولى نحو مرحلة أكثر تنظيماً في التعاون العسكري بين الخرطوم وأنقرة، خصوصاً إذا امتدت المباحثات إلى التدريب ونقل الخبرات والتصنيع والصيانة والدعم الفني.
لكن أهمية الزيارة لا تقتصر على ما يمكن أن ينتج عنها من اتفاقيات مباشرة؛ فهي، في توقيتها ومستواها، تعكس أيضاً محاولة السودان تعزيز شبكة علاقاته الدفاعية الخارجية، فيما تواصل تركيا بناء حضورها الاستراتيجي في أفريقيا والبحر الأحمر.
وبذلك، يمكن النظر إلى زيارة الفريق أول ركن ياسر العطا إلى أنقرة باعتبارها لقاءً عسكرياً رفيع المستوى يحمل أبعاداً استراتيجية، ويتقاطع مع احتياجات السودان الأمنية والعسكرية من جهة، ومع توجه تركيا المتزايد نحو بناء شراكات دفاعية طويلة الأمد في أفريقيا من جهة أخرى.
