رشان اوشي تكتب.. خارج عناوين الحرب: قصة الطرق القومية
بينما بنادق العدو تقضي على الأخضر واليابس، وتحول أحلام السودانيين إلى كوابيس، كانت أيادي العمال ترصف الطرق تحت زخات الرصاص. مشهدان متوازيان في بلد واحد: آلة هدم لا تتوقف، وجهد صامت يحاول إبقاء البلاد قابلة للحياة. في هذا الفراغ القاسي بين الحرب والدولة، تبرز أعمال الهيئة القومية للطرق والجسور كأحد وجوه الإدارة الحكومية التي اختارت العمل بعيداً عن الضجيج، وإدارة الممكن دون انتظار نهاية الأزمة.
كنت قد كتبت منشوراً على “فيسبوك” قبل أسبوعين، عقب عودتي من الخرطوم، أشرت فيه إلى التحسن الملحوظ في الطريق الرابط بين عطبرة وبورتسودان. أعمال الرصف والترميم كانت حاضرة على امتداد الطريق، في مشهد لا تخطئه العين. بالنسبة لي، حمل ذلك دلالة إيجابية مفادها أن الدولة، رغم كلفة الحرب وضراوتها، لا تزال تنفق على ما يحفظ شرايين الحياة والتنمية.
على إثر ذلك، هاتفني الأخ العزيز حامد ضيفان، مسؤول الإعلام بالهيئة القومية للطرق والجسور، وقدّم لي تنويراً مفصلاً حول نشاط الهيئة وبرامجها الجارية في مختلف القطاعات. كان حديثه أقرب إلى كشف حساب مهني، يعكس حجم الجهد المبذول لإبقاء الطرق سالكة، ومواجهة التدهور المتراكم، والاستمرار في مسيرة الإعمار رغم الحرب والجراح.
إن تشييد طرق جديدة، والعمل على ترميم القديم، لا يمكن قراءته خارج سياقه الاستثنائي. فشبكة الطرق القومية تمتد على مسافات شاسعة، وتواجه تدهوراً تراكم عبر عقود، زادته الحرب والأمطار والتغيرات المناخية تعقيداً. ورغم ذلك، جرى توزيع الجهد على مختلف القطاعات، من الشمال إلى الشرق والغرب والوسط، وفق أولويات واضحة تركز على السلامة واستمرارية الحركة، لا على إعادة تأهيل شامل يصعب تمويله في الظرف الراهن.
في الشمال، أدرجت طرق محورية ضمن برامج الصيانة العاجلة، مثل السليم – حلفا القديمة، ودنقلا – الملتقى، وكريمة – ناوى، بكميات محددة من الخلطة الإسفلتية لمعالجة الحفر. هذه المعالجات، وإن بدت محدودة، إلا أنها تؤدي دوراً مهماً في منع العزلة، وربط المجتمعات المحلية بخطوط الإمداد والخدمات.
أما الشرق، حيث يقف طريق هيا – كسلا شاهداً على بنية تحتية تجاوزت عمرها الافتراضي بعقود، فقد اختارت الهيئة تنفيذ تدخلات سريعة عبر شركات متعددة ووحدة التدخل العاجل، مع استهداف تقليل المخاطر المرورية، في انتظار إعادة تأهيل شامل بات ضرورة لا خيار.
وفي البحر الأحمر، يظهر البعد الاستراتيجي أوضح، من خلال الربط بين الطرق والكباري بما يتناسب مع الواقع المناخي الجديد، الذي فرض مجاري مياه لم تكن محسوبة في التصميمات القديمة. وقد جرى توقيع عدد من العقود مع شركات لتشييد كباري في طرق سواكن – طوكر والطريق الساحلي، إلى جانب صيانة طرق جبيت – سنكات وسنكات – هيا.
اللافت كذلك هو عودة العمل إلى محاور ظلت خارج دائرة الصيانة لسنوات، مثل سنار – سنجة – الدمازين، وجبل أولياء – ربك، إضافة إلى التقدم الكبير في طرق استراتيجية كطريق بورتسودان – الجيلي، وشندي – الجيلي. وهي طرق لا تمثل مجرد مسارات نقل، بل عصب اقتصادي وأمني لا يحتمل التعطيل.
ورغم اعتراف الهيئة الصريح بمحدودية مواردها، فإن إعداد برنامج صيانة شامل للربع الأول من عام 2026، بتكلفة معلنة وآلية مراجعة دورية، يشير إلى تحول مهم من إدارة الأزمة اليومية إلى التخطيط المرحلي، وهو تطور نادر في بيئة ضاغطة اعتادت العمل بلا أفق زمني.
والأكثر أهمية أن كل هذه الجهود تموّل من موارد الهيئة الذاتية وعائدات التحصيل في الطرق السريعة، وهو جانب يستحق التوقف عنده في أي تقييم منصف للأداء.
الأهم من ذلك أن هذه الأعمال، على تواضعها النسبي، تنفذ وفق مواصفات فنية واختبارات معملية صارمة، في رسالة واضحة بأن تقليل الكلفة لا يعني التفريط في الجودة.
في المحصلة، لا تدعي الهيئة القومية للطرق والجسور أنها تعيد بناء السودان، لكنها تؤدي دوراً أكثر تواضعاً وأشد أهمية ،بمنع الانقطاع الكامل، والحفاظ على الحد الأدنى من تماسك البلاد. وفي تقديري المتواضع، فإن هذا النوع من الإنجاز الصامت جدير بأن يطّلع عليه الرأي العام، لا أن يختزل في أدراج الحكومة.
محبتي واحترامي.
