الرؤية نيوز

منشور بنك السودان المركزي يشعل الجدل.. تحذيرات من آثار خطيرة

0 0

متابعة/الرؤية نيوز
في بلد يرزح تحت وطأة حرب طويلة أضعفت مؤسساته وأربكت اقتصاده، جاء منشور بنك السودان المركزي بشأن تشديد إجراءات تحصيل الديون المتعثرة ليكشف عن التوتر القائم بين الحاجة إلى حماية النظام المصرفي وبين واقع اقتصادي منهار لا يحتمل مزيدًا من الضغوط، خاصة على القطاع الخاص الذي يشكل العمود الفقري للنشاط الإنتاجي في البلاد.
ففي 12 مارس 2026، وجّه البنك المركزي المصارف بتفعيل إدارات التحصيل ولجان المتابعة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لاسترداد المديونيات، بما في ذلك تسييل الضمانات أو حيازتها. كما ألزمها برفع تقارير شهرية توضح حجم التحسن في معالجة التعثر، مؤكدًا أن تقييم أداء الإدارات التنفيذية ومجالس الإدارات سيعتمد على نتائج هذه الجهود. وبررت الإدارة العامة للرقابة على البنوك القرار بتأثير التعثر المصرفي على قدرة المصارف على أداء دور الوساطة المالية خلال الحرب، معتبرة أن هذه الخطوة ضرورية لاستعادة الاستقرار المالي ودعم مرحلة إعادة الإعمار.
وتعكس هذه التوجيهات نهجًا أكثر تشددًا من جانب البنك المركزي، في محاولة لحماية الجهاز المصرفي من الانهيار في ظل الضغوط المتزايدة. ويرى مراقبون أن البنك يسعى إلى تعزيز الانضباط المالي داخل المصارف، والحد من المخاطر المرتبطة بتراكم الديون غير المسددة، بما يضمن استمرارها في أداء دورها الحيوي في تمويل القطاعات الاقتصادية.
لكن هذا التوجه لم يمر دون انتقادات واسعة، إذ شكك التجمّع الاتحادي في فعالية الإجراءات، معتبرًا أنها تتجاهل الظروف الاقتصادية “الاستثنائية وغير المسبوقة” التي تمر بها البلاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. وأشار البيان إلى أن القطاع الخاص — الذي يمثل الدعامة الأساسية للنشاط الاقتصادي — تعرض لصدمة نظامية عميقة تمثلت في تدمير ونهب الأصول الإنتاجية، وتعطيل المصانع، وفقدان رؤوس الأموال، ما أدى إلى انهيار سلاسل القيمة وتآكل المحافظ التمويلية وتعثر واسع في السداد.
ويرى التجمع أن تشديد إجراءات التحصيل في هذه المرحلة، بما في ذلك المطالبة الفورية بالسداد وتسييل الضمانات، قد يسهم في تعميق الانكماش الاقتصادي وتسريع خروج القطاع الخاص من السوق، بما يقوّض فرص التعافي ويضعف القاعدة الإنتاجية. كما حذر من مخاطر إعادة توزيع الأصول في بيئة غير متكافئة، وهو ما قد يؤثر سلبًا على مناخ الاستثمار والمنافسة.
واستشهد البيان بتجارب إقليمية ودولية تعاملت مع أزمات مشابهة عبر سياسات مرنة، شملت إعادة هيكلة الديون ومنح فترات سماح وتمويلات بشروط ميسرة، بهدف الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي وتفادي خسائر دائمة في الطاقة الإنتاجية. ودعا التجمع إلى تبني نهج تشاركي بين البنك المركزي والقطاع الخاص للتوصل إلى حلول عملية تراعي حجم الخسائر التي تكبدها القطاع.
وفي سياق موازٍ، اعتبر رجل الأعمال صادق حاج علي أن المنشور “غير موفق وغير مدروس”، مشيرًا إلى أن البنوك فقدت ما لا يقل عن 70% من قيمة الأموال الممنوحة بسبب انهيار الجنيه وتعطل دورة التمويل، بينما تعرض قطاع الأعمال لخسائر “فادحة ودمار هائل”. ورغم تأكيده أن “أموال البنوك هي أموال المودعين ويجب إعادتها”، شدد على ضرورة إيجاد معادلة متوازنة تراعي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، داعيًا إلى إنشاء لجنة عالية المستوى تضم البنك المركزي والبنوك والقطاع الخاص وخبراء اقتصاديين، وربما خبراء دوليين، لوضع حلول توافقية.
وفي تعليق آخر، وصف عبد المنعم الطيب الإجراءات بأنها “ظلم وجشع حكومي”، مشيرًا إلى أن الإعسار في ظل الحروب يُعالج بإمهال المنتجين وتمويلهم لاستمرار الإنتاج، لا عبر السجون أو مصادرة الضمانات. وأكد أن أسباب الإعسار “نتاج للحرب وانهيار سعر الجنيه”، وأن معالجة الأزمة تتطلب خطة لدراسة أوضاع المتعثرين بهدف زيادة الإنتاج في ظل الأزمة الإنسانية المستمرة.
ويحذر خبراء من أن هذه الإجراءات قد تعرقل عودة رجال الأعمال إلى السودان، لعدم قدرتهم على سداد ديونهم أو خشية فقدان ما تبقى من ممتلكاتهم. كما يواجه البنك المركزي انتقادات لإصداره قرارًا “فوقيًا” دون التشاور مع الخبراء أو القطاع الخاص، ما قد يؤدي إلى فشل تطبيقه وانهيار مصارف ذات أوضاع مالية هشة.
وفي النهاية، تبدو الأزمة أبعد من مجرد منشور تنظيمي؛ إنها اختبار لقدرة الدولة على إدارة اقتصاد حرب دون التضحية بالقطاع الخاص أو النظام المصرفي. لكن الشرط الأول لأي إصلاح — كما يشير الخبراء — يظل وقف الحرب، إذ لا يمكن لأي سياسة مالية أو مصرفية أن تنجح في ظل اقتصاد ممزق وبيئة إنتاجية مدمرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.