الرؤية نيوز

هل يجرؤ “الكاف” على تطبيق لوائحه أم أن نفوذ “لقجع” أقوى من رائحة المنشطات؟

0 0

بقلم: عبد الحليم يعقوب

في الأجواء المشحونة والمثيرة التي غلفت مواجهة ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا بين نهضة بركان المغربي والهلال السوداني، لم يكن النزال مجرد صراع كروي تقليدي بين ناديين عريقين، بل تحول إلى مسرحٍ لوقائع غريبة أثارت جدلاً واسعاً تجاوز حدود المستطيل الأخضر ليطرح تساؤلات جوهرية تمس نزاهة المنظومة الكروية في القارة السمراء. إن ملابسات مشاركة اللاعب حمزة الموساوي في مباراتي الذهاب والإياب كشفت عن خلل إجرائي صارخ يضرب في صميم مبادئ الشفافية والعدالة التي طالما تفاخر بها الاتحاد الأفريقي لكرة القدم في مؤتمراته الرسمية، والمفارقة التاريخية تكمن في تزامن هذه الفضيحة مع تصريحات رئيس الاتحاد “موتسيبي” في القاهرة، والتي أعلن فيها التزاماً صريحاً بمبدأ الصفر تسامح مع الفساد، وهو ما وضع الكاف اليوم أمام اختبار حقيقي لإثبات أن كلماته ليست مجرد حبر على ورق أمام الرأي العام الرياضي العالمي.

خديعة رفع الإيقاف وصناعة هدف التأهل غير الشرعي

وبدأت فصول هذه القضية الشائكة حين خضع نادي نهضة بركان لفحوصات المنشطات عقب مباراته أمام بيراميدز المصري، حيث جاءت عينة الموساوي إيجابية لتثبت وجود مادة محظورة، مما استوجب صدور قرار فوري بإيقافه مؤقتاً لمدة ثلاثين يوماً عن أي نشاط رياضي. ورغم أن لجنة المسابقات بالاتحاد الأفريقي ثبتت هذا القرار رسمياً في الحادي عشر من مارس وأخطرت نادي الهلال السوداني به كإجراء توثيقي، إلا أن المشهد اتخذ منحىً درامياً يوم المباراة ذاتها، حيث رُفع الإيقاف عن اللاعب فجأة وبدون أي تسبيب قانوني أو بيان رسمي يوضح الحيثيات. هذا التلاعب الإجرائي سمح للموساوي بالدخول كبديل في شوط المباراة الثاني ليقوم بالدور المحوري والحاسم في اللحظة التي قلبت موازين اللقاء، حين حصل على ركلة جزاء سجل منها فريقه هدف التعادل، ليصبح اللاعب الموقوف قانوناً هو الصانع الحقيقي لتأهل فريقه، في واقعة تجسد أبشع صور التعدي على اللوائح المنظمة للمنافسة.

النفوذ المغربي وسلطة فوزي لقجع في ممرات القرار المظلمة

ولا يمكن للمراقب المنصف أن يقرأ هذه الحادثة بمعزل عن التغلغل الواضح لنفوذ فوزي لقجع، النائب الأول لرئيس الاتحاد الأفريقي ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والذي يرتبط بصلات تاريخية وثيقة بنادي نهضة بركان بوصفه رئيساً سابقاً له. إن تولي لقجع مناصب قيادية حساسة تشمل لجان المالية والمنافسات والأندية يمنحه ثقلاً تنظيمياً هائلاً داخل أروقة الكاف، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه للتساؤلات المشروعة حول دور هذا النفوذ في صدور قرار رفع الإيقاف عن الموساوي في توقيت مريب تزامناً مع صافرة البداية. إن غياب التفسير الرسمي المقنع من جانب الاتحاد الأفريقي يغذي الشكوك حول وجود أجندات مغربية تفرض سيطرتها على القرارات القانونية الكبرى، مما يجعل عدالة المنافسة في القارة السمراء رهينة لموازين القوى السياسية والإدارية بدلاً من الالتزام بحرفية النصوص القانونية التي يجب أن تسري على الجميع دون استثناء.

تحرك الهلال القانوني ومعركة الكرامة أمام الاتحاد الأفريقي

ولم يقف نادي الهلال السوداني مكتوف الأيدي أمام هذا الخرق الموثق للوائح، بل تحرك بكل حزم وقدم شكوى رسمية مدعومة بكافة الأدلة الدامغة التي تثبت عدم أهلية مشاركة الموساوي في المباراتين، مستنداً إلى الإخطار الرسمي الذي تلقاه النادي سابقاً. ويرى الجانب السوداني أن مشاركة اللاعب أثرت تأثيراً مباشراً وحاسماً في نتيجة اللقاء، وهو ما يستوجب إلغاء النتائج المحققة خلال فترة سريان العقوبة وفقاً للمدونة العالمية لمكافحة المنشطات. إن الهلال اليوم لا يدافع عن حقه في التأهل فحسب، بل يخوض معركة لاسترداد كرامة الكرة الأفريقية وتطهيرها من شوائب الفساد، مؤكداً استعداده للذهاب إلى أبعد نقطة قانونية ممكنة لانتزاع حقه المسلوب في وضح النهار، خاصة وأن المنظومة الدولية تعتبر تنازل اللاعب عن فحص العينة الثانية بمثابة اعتراف صريح بالذنب لا يمكن الالتفاف عليه بأي خطابات إدارية محلية.

زلزال محكمة “كاس” والملاذ الأخير لإنصاف الهلال

وفي حال قرر الاتحاد الأفريقي الاستمرار في نهج المجاملات ورفض شكوى الهلال، فإن الأنظار ستتجه فوراً نحو محكمة التحكيم الرياضي الدولية في لوزان بسويسرا، وهي المنصة التي لا تعترف بالتقديرات الإدارية المنحازة بل تلتزم بحرفية القوانين الدولية الصارمة. إن انتقال القضية إلى المحكمة الدولية يغير قواعد اللعبة تماماً لصالح الهلال، نظراً لاستقلالية هذه المحكمة التامة عن أي تأثيرات سياسية أو قارية، حيث تعتبر قضايا المنشطات خطاً أحمر لا يقبل المساومة. وبما أن اللاعب قد تنازل عن العينة الثانية، فإن محكمة كاس ستعتبر مشاركته باطلة بطلاناً مطلقاً، مما قد يؤدي إلى صدور قرارات مستعجلة بتعليق مباريات الدور التالي لنهضة بركان أو حتى إقصائه نهائياً، وهو السيناريو الذي سيمثل صدمة كبرى لرؤوس الفساد الإداري ويثبت أن العدالة الدولية قادرة على كسر قيود النفوذ مهما بلغت سطوته.

رسالة الإعلام وسلطة الكلمة في مواجهة المنظومة الفاسدة

لقد كشفت هذه الأزمة عن القيمة الحقيقية للإعلام الرياضي الشريف الذي تحول إلى سلاح ناعم وقوي في فضح التجاوزات وتوعية الرأي العام القاري بالظلم الذي تعرض له الهلال. إن الحراك الإعلامي المكثف على منصات التواصل الاجتماعي وفي المنابر الأفريقية جعل قضية الهلال بمثابة القشة التي قد تقصم ظهر الفساد في الكاف، وأكدت أن الإعلام يظل السلطة الرابعة القادرة على كشف ما تعجز عنه السلطات الأخرى. ويجب على إدارة الهلال أن تستوعب هذا الدرس جيداً وتدرك أن الإعلام شريك أصيل في حماية حقوق النادي، خاصة وأن الحرب ضد الفساد هي معركة طويلة النفس تتطلب تكاتف كافة الجهود. إن الصمود الذي أظهره الهلال، وهو يمثل شعباً يعاني من أهوال الحرب ويعيش ظروفاً استثنائية، يثبت أن إرادة الحق أقوى من كل المؤامرات، وأن فجر العدالة لابد أن يبزغ مهما طال ليل الظلم في الملاعب الأفريقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.