عثمان ميرغني يكتب:الديموقراطية السودانية
متابعة/الرؤية نيوز
الديموقراطية ليست منتجا يمكن الحصول عليه من أرفف سيوبرماركت الحضارة الغربية، فهي مباديء تحقق النمو الطبيعي للدولة بتوازن أركانها الأربعة؛ الإنسانية والمادية والأخلاقية و الاستراتيجية.
و الديموقراطية توصيف للأهداف والغايات التي تتحقق وفق نظام و سلوك مؤسسي وليس مجرد نظام ملتزم بشعارات أو واجهات منبتة عن الواقع والحياة.
وتعريف الديموقراطية السودانية بعبارة مجملة دقيقة :
الديموقراطية هي المعايير التي تُجبر السياسات الرسمية أن تتسق مع خيارات الشعب.
وهي بهذا الفهم ليست عملية Process كما يحلو للبعض أن يصفها، ولا حزمة اجراءات كما يتوهم الكثيرون، ولا حتى قيم Values يجب أن يؤمن بها المحبون لأوطانهم وشعوبهم، ولا شعارا يصلح للهتاف أو الرفرفة فوق الرايات.
الفهم الخاطيء لمعنى “الديموقراطية” هو الذي أدى للفشل السياسي المزمن في تاريخ السودان المعاصر.
الذين اعتبروا الديموقراطية عملية Process اهتموا وركزوا على اجرائيات وعمليات ترتبط بالديموقراطية، مثلا؛ انتخابات دورية بتفاصيلها الاجرائية التي تشمل حتى الحبر المستخدم في الاصابع لمنع تكرار التصويت، و برلمان و حتى فرص لتداول السلطة سلميا لكن كل ذلك لا يمكن أن يحقق المعنى المقصود من الديموقراطية.
الانتخابات واحدة من أدوات الديموقراطية، ولكن صِحة الأداة لا يعني أنها تحقق الهدف المنشود منها، فالقلم أداة للكتابة ولكن ليس كل كتابة نافعة، والسكين أداة للقطع ولكن بعض القطع قتل.
الانتخابات مهما كانت نزيهة فهي لا تعني شيئا ان لم تحقق نظام حكم صالح يجلب المصالح للوطن والمواطن، فمعايير صلاح الانتخابات في سياق نظام ديموقراطي ليست معزولة عن ثمار النظام الذي تأتي به.
السودان – مثلا- شهد أول انتخابات في نوفمبر 1953، قبل استقلاله بأكثر من عامين، واستمرت التجارب الانتخابية التعددية في أعوام 1958، 1965، 1968 و 1986 وكلها نالت قبول الأحزاب المتنافسة بنتائجها، ولم يكن في اجرائياتها ما يعيبها أو ينقض مخرجاتها، ليس فيها “طق ولا شق” على رأي المَثل السوداني، لكن يظل السؤال الحقيقي وما تأثيرها على الدولة السودانية؟
بهذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الانتخابات بمعزل عن خارطة الطريق التي توصلها إلى الأهداف المنشودة بالديموقراطية.
وعودة للتعريف الجامع المختصر لـ”الديموقراطية السودانية” :
(المعايير التي تُجبر السياسات الرسمية أن تتسق مع خيارات الشعب).
فإن الكلمات المفتاحية التي تعبر عن الديموقراطية هي:
المعايير – تجبر- السياسات- تتسق- خيارات الشعب.
ومن هذه الكلمات المفتاحية يمكن تحديد الأدوات والاجراءات و خارطة الطريق بل والرؤية والخطة الاستراتيجية على المدى الطويل لبناء دولة السودان الحديث.
ولنأخذها بالترتيب والتفصيل:
أولا : المعايير.
حزمة المفاهيم والشروط المعبر عنها في الدستور و القوانين واللوائح و الوثائق، التي تضبط حركة الدولة ورؤيتها للمستقبل و خططها وبرامجها.
ثانيا : تجبر.
الجبر هنا هو نظام يفرض على القرارات والسياسات أن تتسق مع الأهداف العليا للدولة. باستخدام الحوكمة Governance و ضوابط دولة القانون والمأسسة “المؤسسية” في مختلف المستويات المنتجة لهذه القرارات والسياسات.
ثالثا : السياسات.
السلوك المؤسسي للدولة الذي يضمن ويعزز دورة القرار الرسمي في مراحله كافة، ويرسم المسارات والخيارات ونقاط الابتداء والنهاية للأعمال والقرار.
رابعا : تتسق.
التزام المسار بما يمنع الاستثناء أو الالتواء أو التحايل أو التقدير الذاتي خارج نطاق الحوكمة والمأسسة.
والاتساق هنا يعني أيضا اتساق النتائج مع المعطيات والفرضيات.
خامسا : خيارات الشعب.
خيارات الشعب لا تعني حرفيا استفتاء الشعب أو أستطلاع رأيه في كل صغيرة أو كبيرةر. بل تعني اقناع الشعب بالخيار الأفضل في القضايا أو التقاطعات التي تؤثر عليه مباشرة، وفي السياسات التي ينتج عنها تغيير أوضاع الدولة. حتى ولو جاء ذلك بعد اتخاذ القرار.
الديموقراطية بهذا المفهوم ليس لها شكل أو قالب ثابث، بل يمكن تطويعها وفق المكان والزمان، وأكثر من ذلك قابلة للتطور بتراكم الخبرة لتعظيم العائد منها.
وتظهر تجليات الديموقراطية في الدولة من خلال سلوك محدد، ولا تتحقق الديموقراطية إلا عندما يحس بها ويراها المواطن أمامه رأي العين في معايير محددة كالتالي:
(1) الاستجابة العامة Public Responsiveness
ويقصد به سرعة التفاعل بين النظام العام للدولة -في مختلف مستوياته و مجالاته- مع مطلوبات وطلبات الانسان في الدولة (الانسان تعني المواطن و المقيم العابر).
(2) ترقية حقوق الإنسان:
عدم ادراك المواطن السوداني لحقوقه يهدرها. كثير من الخدمات التي هي من صميم حقوقه يضطر المواطن لتقديم فروض الولاء والطاعة والتنازلات للحصول عليها. ومع مرور الزمن و استقرار الممارسة يصبح ذلك بعض أدبيات العلاقة بين المواطن والسياسي أو الدولة.
(3) ترفيع العائد على الإنسان:
الديموقراطية في معناها العملي و العلمي المرتبط بنتائج ممارستها في الدولة تؤدي لتغيير فكر ومنهج عمل الدولة ليكون العائد من الإنسان مقياسا لمردودها.
و الخلاصة :
الديموقراطية لا تتحقق، إلا وهي تُرى تتحقق.
#كتاب_هندسة_الدولة_السودانية
التيار
