من يؤجل الحسم النهائي للمعركة في السودان؟.. تساؤلات تتصاعد وسط تطورات ميدانية متسارعة
كتب – د. محمد عثمان عوض الله
بعد اندلاع هذه الحرب، تغيرت موازين كل القوى السياسية السودانية، خاصة فيما يتعلق بالشرعية الشعبية، والصورة الذهنية للقيادات و درجة الأهلية الوطنية. من أهم نتائج الحرب أنها أعادت تعريف الشرعية، من مفهوم الشرعية الثورية و الانتقال المدني، و مقاومة الاسلاميين، و شرعية 2019، الى شرعية حماية الناس و الدفاع عنهم، شرعية الوقوف مع مؤسسات الدولة و السيادة الوطنية و شرعية مقاومة الغزو الأجنبي و التمرد و العملاء. و من نتائج الحرب أيضا أن مصدر الشرعية لم يعد الشعارات و لا الادعاءات و لا الحملات الاعلامية ولا التمويل الخارجي و لا الدعم الخارجي و لا تحكم السفارات و البعثات و الورش، و انما مصدر الشرعية صار هو الحقائق على الارض، و عودة الناس و تقديم الخدمات و تثبيت الدولة، و الانتماء الشعبي و المزاج الشعبي.
و بالرغم من ذلك، ظل هنالك عاملان مايزالان يعقدان المشهد بحيث لم تحسم الصورة نهائيا. ولم تتحقق نتائج عسكرية و سياسية حاسمة على شاكلة: اكتمل الانتصار، أو سيطر التيار الوطني، أو انهزمت المليشيا أو فقدت قحت كل شيء.
هناك عاملان رئيسيان متداخلان يجعلان الصورة و إن كانت واضحة، إلا أنها ماتزال مشوشة و غير محسومة تماما:
العامل الاول داخلي. و رغم أنه محسوم بالكامل لصالح عودة التيار الوطني. إلا أنه ماتزال تتداخل فيه عدة مستويات بعضها ايجابي و بعضها سلبي منها:
1/ تم حسم مستوى الرؤية الوطنية الكلية. وهو العامل الأساسي و الاهم الذي تتجسد فيه العودة الكاملة لسيطرة التيار الوطني. و برنامجه مختصر في أربعة كلمات مباشرة و بسيطة و عميقة المعنى هي: السيادة الوطنية، شرعية مؤسسات الدولة، الكرامة الوطنية، ضد التدخل الأجنبي و العملاء.
2/ التمسك بسيادة و مشروعية الدولة السودانية ورفع كفاءة أداء مؤسساتها بجناحيها الجيش و حكومة الأمل . الدولة تعمل بجد و تكاتف و تضحيات و انسجام رسمي و شعبي لتحقيق الرؤية الوطنية الموصوفة أعلاه. ولكن ماتزال كفاءة أدائها محل جدل و اختبار و يشتمل على عدة نقاط ضعف داخلي تعيق الحسم النهائي.
3/ وحدة المزاج الشعبي و منح الشرعية الشعبية. محسومة تماما وفق الرؤية الوطنية أعلاه لصالح التيار الوطني. و يرى فيه أنه القوة الوطنية التي سندتهم و دافعت عنهم و صدت العدوان الأجنبي و ثبتت الدولة و قدمت الرؤية و الخدمات الى أن عادوا الى بيوتهم.
4/ ضعف مستوى التنسيق المؤسسي بين القوى السياسية الوطنية. و تعدد الانقسامات و الاختلافات داخل التيار الإسلامي خاصة. مستوى الأداء و الكفاءة و القيادة داخل هذا المستوى ايضا محل جدل و اختبار و يشتمل على نقاط ضعف داخلي تعيق الحسم النهائي.
أما العامل الثاني، فهو العامل الإقليمي و الدولي. فهو ظل يتأرجح بين مستويين. المستوى الاول هو حقيقة القوة على الأرض و حقيقية السردية الصحيحة. هذا المستوى محسوم بالكامل لصالح الموقف الوطني السوداني الذي تمثله الحكومة و التيار الوطني. و المستوى الثاني يتعلق بالمصالح السياسية الدولية فهو محسوم لصالح موقف دولة الأمارات التي تقود الغزو الأجنبي على السودان. و المصالح السياسية الدولية تمثلها كل من الولايات المتحدة، و دول الجوار و دول الاقليم.
فيما يتعلق بالولايات المتحدة، رغم أن لها تاريخ طويل و حوار عميق مع الحركة الاسلامية السودانية و كوادرها داخل حكومة الانقاذ. دارت عن توطيد المصالح و التفاهمات السياسية و الأمنية المحلية و الاقليمية و الدولية خاصة مكافحة الإرهاب و الهجرة غير الشرعية. و كانت من أهم نتائج هذه الحوارات تبادل الزيارات بين وزراء الخارجية و رؤساء الاستخبارات و الانتهاء من تنفيذ المرحلة الاولى للحوار و الشروع في المرحلة الثانية و رفع العقوبات و الحظر. لذلك كثيرون ينظرون لتصنيف أمريكا للحركة الاسلامية كمنظمة ارهابية و عدم تصنيفها الدعم السريع، هو مجرد كرت غير حقيقي و غير مبدئي. فقط استخدمته أمريكا ظرفيا لصالح الأمارات دفعت الأمارات مقابله 6 مليار دولار لمدة 4 سنوات بواقع مليار و نصف دولار سنويا. لذلك يتضح ان الموقف الأمريكي ليس مبدئيا و لا قانونيا لكنه سياسي يتأرجح مع المصلحة، و يظل قابل للتغيير بتغيير الظروف باستمرا.
وفي المقابل، فان دول الاقليم و الجوار تنقسم الى ثلاثة اقسام:
1/ منها من حسم أمره لصالح الامارات مثل تشاد، اثيوبيا، كينيا، و ذلك فقط بسبب ضغط و إغراء المال الأماراتي.
2/ و منها من حسم موقفه لصالح الموقف السوداني مثل قطر و تركيا و الجزائر، و ذلك بسبب المبدأ الذي يستند على القوانين الدولية لسيادة الدول و تجريم العدوان عليها و شرعية حكوماتها و حقوق شعوبها.
3/ و منها من يعترف بالحقائق على الارض لصالح الحكومة السودانية، و لكنه يجامل أمريكا مثل السعودية و يراعي المصلحة مع الامارات مثل مصر. لكن كلا السعودية و مصر تدركان أن ميزان الشرعية الشعبية و كفاءة القيادات و العمل المؤسسي و وضوح الرؤية الوطنية و أمن الدولة و استقرار الاقليم كلها عوامل ترجح كفة التيار الاسلامي باعتباره الطرف الوطني الأكثر تنظيما و خبرة و قدرة على حماية الدولة. لذا فانها وإن لم تدافع عن الاسلاميين مباشرة إلا أنها تدافع عن المواقف و المبادئ التي يمثلها التيار الوطني و في صدارته الاسلاميين.
أما دولة الامارات، فان الحجة الرسمية التي تعبر عنها هي أن سبب حربها على السودان تريد أن تقطع الطريق على عودة الاسلاميين لأن عودتهم ستغلق الباب أمام التحول المدني الديمقراطي. لذا فان كل من المليشيا العسكرية و الجناح المدني الممول من الأمارات يرددون هذه الحجة. رغم سذاجة هذه الحجة، و الاعتراف بالمسؤولية الذي تتضمنه، إلا أن مشكلة الامارات الرئيسية تتمثل في ثلاثة نقاط. النقطة الاولى هي أن المليشيا التي تستخدمها كالية صارت عبئ سياسي و قانوني و اخلاقي و عسكري عليها. و أن العالم كله حملها مسؤولية الجرائم ودعم مليشيا الابادة الجماعية. و النقطة الثانية انها صارت في مواجهة مباشرة مع الشعب السوداني و غالبية شعوب العالم باعتبار الغزو و الاعتداء و الجرائم و عدم معقولية التبربر. المعضلة الثالثة انها وقعت تحت ضغط الابتزاز المالي لثلاثة فواتير مختلفة. اولا فاتورية ثمن الحماية الأمريكية و ثانيا فاتورة المساعدات الاقليمية لدول الجوار مقابل استخدام اراضيها، ثالثا فاتورة تمويل الحرب و المليشيا و المرتزقة و الجناح السياسي. لذا فان الأمارات ليست الخاسر الأكبر فقط و انما ايضا الطرف الأضعف و الاقل مقدرة على تحمل تبعات هذه الحرب و الذي يستنزف باستمرار من جميع الأطراف. لذا تجدها تضغط باستمرار من أجل مخرج سلمي، لها عبر المفاوضات.
نختم المقال برؤية من داخل التيار الإسلامي راس الرمح في التيار الوطني المشار إليه في هذا المقال. يرى تعدد هذه العوامل و اضطرابها، و تناقضها مضافا اليها عاملي تركة اخطاء الانقاذ و سقوط حكومتها و عامل الانقسامات الداخلية. رأى هذا التيار أن لا يظهر الى السطح لقيادة أي عمل بذات القيادات و التنظيمات و الأطر القديمة. و آثر أن يستمر في القيام بدوره و واجباته الوطنية تحت راية مؤسسات غير حزبية. أو تحت ظل قانون المواطنة الذي يتيح للأفراد القيام بالمناشط المختلفة التي تنفذها مؤسسات الدولة الرسمية أو الشعبية. و لكنها بعيدا عن العمل التنظيمي التقليدي. نقطة ضعف هذا التيار هو عدم مقدرته حتى الان على بلورة مواقفه الرسمية تحت مظلة رسمية سوا كانت حزبية أو اجتماعية او حتى فكرية. لذا فانه يقدم مساندة للجيش تحت مظلة الجيش نفسه. و يدعم حكومة الأمل تحت مظلة الافراد و التكنوقراط و الدعم الشعبي. كما أنه يقدم مساندته للمجتمع تحت مظلات مجتمعية فضفاضة. و يقدم رؤيته الفكرية عبر مقالات او مقابلات أو بيانات متناثرة. لذا لم يستفيد الجيش و لا حكومة الأمل و لا المجتمع الفائدة القصوى، من الامكانات الضخمة للتيار الاسلامي رغم الحاجة الماسة لها. مما تسبب ايضا في حرمانهما من مقدرات و طاقات وطنية كانت سوف تعجل في حسم المعركة.
*الاسراع نحو الحسم*
العامل الوحيد الذي يؤجل الحسم النهائي للقضية السودانية في شقيها الامني و السياسي هو تدفق المال الاماراتي. فقدت كل من المليشيا و جناحها السياسي اسباب وجودها و فقدت جدوى استمرارها و معنى بقائهما. بل صارتا عبئا مجرد استمراره، يكلف الأمارات فاتورة باهظة. الأمارات نفسها فقدت الأمل في أن تحسم المعارك السياسية أو الأمنية لصالحها عبر هذه الاليات لذا صارت توسط الرباعية والخماسية و الثلاثية و مؤتمرات الإغاثة من أجل المفاوضات. أما الجيش رغم أن تعثره ناتج من تدفق أموال الأمارات التي تغذي بها المليشيا و داعميها إلا أنه ظل يتقدم في المعركة الحربية باستمرار. لذا يظل عامل الترجيح الاخر نحو الحسم، وهو التيار الوطني و على راسه الاسلاميون. و هو الى الان غير قادر على احداث اختراق في أدواته و وسائله التي اوصلته مرحلة السيطرة دون الوصول الى الحسم النهائي. ختاما يجب أن ننوه أن الحسم النهائي المقصود هنا هو حسم معركة الكرامة الانية بشقيها الامني و السياسي و ليس معركة إعادة بناء و لا قضية استقرار السودان السياسي المزمنة و لا الادعاء بحصول الاسلاميين على التفويض الجماهيري الشامل.
تسامح نيوز
