الرؤية نيوز

إبراهيم شقلاوي يكتب: فصل العاملين بين النفي والإثبات

0 2

متابعة/الرؤية نيوز
الشعوب الإفريقية وشعوب الشتات
نجاح أي دولة يعتمد على شفافية خطابها الرسمي، لأن ثقة المواطنين ترتبط بصدقيته ووضوحه. وتظهر المشكلة في القرارات عندما تقول الوثائق شيئاً وتقول التصريحات الرسمية شيئاً آخر، فيتحول الأمر من القرار نفسه إلى حالة من الارباك والشك حول مصداقية الخطاب الرسمي.

هذا بالضبط ما أفرزته قضية تقرير اللجنة الفنية لدراسة وحصر العاملين بالحكومة الاتحادية والهيئات والشركات العامة، والذي أثار عاصفة من النقاش بعد تسرب تفاصيله للرأي العام. فالتقرير لم يكن مجرد حديث مرسل أو تسريبات مجهولة المصدر، بل وثيقة مكتوبة تضمنت أرقامًا وتوصيات وآليات تنفيذ، وانتهت إلى مقترح يقضي بخفض نحو 63,833 وظيفة من أصل 106,388 وظيفة بالحكومة الاتحادية والهيئات والأجهزة العدلية، أي ما يعادل قرابة 60% من إجمالي العاملين بالخدمة المدنية .

لكن المشهد أخذ بعدًا أكثر تعقيدًا عندما خرج رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس لينفي وجود توصية أمام مجلس الوزراء بإعفاء 60% من العاملين، مؤكدًا أن ما يتردد في هذا الشأن غير صحيح، ومشددًا على أن أولويات الحكومة تتمثل في معاش الناس والإعمار وتحسين الخدمات وتحقيق السلام. وهنا تبدأ الأسئلة التي لم تجد إجابات مقنعة حتى الآن.

فإذا لم تكن هناك توصية مطروحة أمام مجلس الوزراء، فما طبيعة اللجنة التي أنجزت أعمالها؟ وما الغرض من التقرير الذي أُعد بتفاصيله وأرقامه وتكلفته التقديرية؟ وهل كانت اللجنة تعمل من فراغ او بأجندة تتبع لأخرين خارج اطار المؤسسات أم بتفويض رسمي من الجهة المختصة؟ وإذا كانت التوصيات لا تعبر عن توجه حكومي، فلماذا استمرت اللجنة في أداء مهامها حتى نهاية أعمالها؟ وإذا كانت تعبر عن توجه قيد الدراسة، فلماذا جرى نفيها بصورة مطلقة بدلاً من توضيح مراحلها وحدودها للرأي العام؟

هذه الأسئلة لا تستهدف شخص رئيس الوزراء ولا الحكومة، وإنما تتعلق بجوهر الحوكمة الرشيدة وشفافية صناعة القرار. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات، بل بتفسيرها وإقناع المواطنين بها.

الأكثر إثارة للتأمل أن هذا الجدل يتزامن مع توجيهات رسمية صدرت من مجلس السيادة مؤخرًا بضرورة إيجاد حلول عاجلة لمعاش الناس وتخفيف الأعباء المعيشية وتحسين الخدمات، وهي أولويات تتسق مع ظروف البلاد الاستثنائية بعد الحرب. وهنا تبرز مفارقة سياسية واقتصادية مهمة : كيف يمكن التوفيق بين الدعوة إلى تخفيف المعاناة المعيشية وبين إجراءات الحكومة التي تؤدي إلى خروج عشرات الآلاف من الخدمة.

قد يجادل البعض بأن الهدف هو معالجة الترهل الوظيفي وخفض الإنفاق الحكومي، وهو هدف مشروع من حيث المبدأ، لكن السؤال الاستراتيجي الأهم هو: هل أزمة السودان اليوم أزمة مرتبات أم أزمة إدارة موارد؟

فالواقع يشير إلى أن المؤسسات لم تستعد نشاطها الكامل بعد الحرب، وأن الحكومة نفسها لم تتمكن حتى الآن من إعادة تشغيل الجهاز التنفيذي بكامل طاقته في بعض المواقع بسبب أوضاع البنية التحتية والخدمات ومقار العمل. وإذا كانت المؤسسات لا تزال تواجه تحديات العودة ، فإن اختزال الأزمة في بند المرتبات يبدو أقرب إلى معالجة العرض وليس المرض.

ومن زاوية الاقتصاد السياسي، فإن خفض العمالة الحكومية بهذا الحجم لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل قرارًا له انعكاسات اجتماعية وسياسية واسعة. فنحن نتحدث، عن عشرات الآلاف من الأسر التي تعتمد على هذه الوظائف كمصدر دخل وحيد في ظل أوضاع اقتصادية هي الأصعب منذ عقود. كما أن التقرير نفسه أشار إلى مخاطر تتعلق بالآثار الاجتماعية والضغوط على صندوق المعاشات وفقدان الخبرات والكفاءات.

وتزداد أهمية هذه المخاوف عندما نعلم أن المقترحات طالت مؤسسات استراتيجية مثل الكهرباء والموانئ والسكة حديد وغيرها من القطاعات التي يفترض أن تقود عملية التعافي وإعادة الإعمار. فالدول الخارجة من الحروب تتجه عادة إلى تعبئة مواردها البشرية واستثمار خبراتها الوطنية، لا إلى تقليصها بصورة تعسفية ، قبل اكتمال مرحلة الاستقرار.

وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في وجود التقرير من نفيه، بل في طبيعة الجهة التي تحسم مآلاته. فالإصلاح الإداري لا يكتسب مشروعيته إلا في ظل مؤسسات شفافة، وفي مقدمتها مجلس تشريعي منتخب، يكون سياجًا يمنع تغلغل الأجندات السياسية أو الضغوط الإقليمية والدولية في القرار الوطني. وبين النفي والإثبات، تبقى الحقيقة الكاملة حقًا للمواطن، وواجبًا على الدولة أن تكشفه بوضوح، وأن تُعيد بناء الثقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.