الرؤية نيوز

من موسكو.. السودان يفتح أخطر ملفات الدعم السريع

0 2

متابعة/الرؤية نيوز
الخرطوم:مي علي آدم
لم يتحدث الفريق بابكر سمرة في موسكو بلغة الدبلوماسية الناعمة. وضع النقاط فوق الحروف مباشرة: ما يحدث في الجنينة والفاشر والجزيرة ليس تمرداً، هو إرهاب مكتمل الأركان.. قتل واغتصاب وتشريد.
في المؤتمر الدولي لمكافحة الفكر المتطرف، وبحضور وزراء داخلية العالم والمسؤولين الروس، قال سمرة إن الإرهاب الذي يحصد الأرواح في العالم هو نفسه الذي تواجهه الخرطوم اليوم، لكن بثوب مليشيا الدعم السريع.
وحذر من ثغرة خطيرة: دارفور مفتوحة على غرب إفريقيا، بؤرة المنظمات الإرهابية، وإذا لم يتحرك العالم مع الحكومة السودانية، ستصبح المنطقة ممراً للإرهاب الدولي.
الوزير لم يأتِ للشكوى فقط، بل عرض ما فعله السودان رغم الحرب: قانون جديد لمكافحة الإرهاب، محاكم ونيابات متخصصة، هيئة وطنية، وتتبع لأموال الإرهاب وغسل الأموال.
الرسالة من موسكو كانت واضحة: السودان لا يحارب مليشيا فقط، بل يحارب امتداداً للتطرف العالمي، ويطلب تنسيقاً أمنياً حقيقياً وليس بيانات إدانة.
شهدت الأيام الماضية حدثاً سياسياً لافتاً في الساحة السودانية.. غير أن هذا الحدث مرّ على الكثيرين “مرور الكرم”! دون أن يحظى بالاهتمام الذي يتناسب مع دلالاته وأبعاده.. فلم تتوقف عنده وسائل الإعلام بالقدر الكافي ولم يحظَ بالنقاش والتحليل من جانب المراقبين والمحللين ولاحتى السياسيين.. رغم أن طبيعة هذه الخطوة والظروف السياسية التي جاءت فيها تجعل منها حدثاً جديراً بالتأمل والقراءة العميقة.
ولعلّ هذا التجاهل يعود إلى تسارع الأحداث وتزاحمها داخلياً وإقليمياً ودولياً، بحيث أصبحت الساحة السودانية تستقبل كل يوم كماً هائلاً من التطورات والمواقف.. وربما يعود أيضاً إلى حالة الاستقطاب السياسي الحاد التي تجعل بعض الفاعلين وكذلك المراقبين.. يتعاملون مع الأحداث وفقاً لموقعها من حساباتهم السياسية، لا وفقاً لحجمها وتأثيرها المحتمل.. غير أن كل ذلك لا ينبغي أن يحول دون التوقف أمام” التحولات” الكبرى في مواقف القوى السياسية خصوصاً في مرحلة شديدة التعقيد كالتي تمر بها البلاد.. إذ إن بعض التفاهمات التي تبدو في بدايتها محدودة قد تكون في واقع الأمر مقدمة لتحولات أوسع بكثير.
ومن بين هذه التطورات يبرز البيان المشترك الذي صدر في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا يوم 14 من الشهر الماضي بين حزب المؤتمر الشعبي بقيادة الدكتور علي الحاج وحركة تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبدالواحد محمد نور.. وذلك عقب سلسلة من الاجتماعات والنقاشات بين الجانبين انتهت إلى تفاهمات حول عدد من القضايا المطروحة على الساحة السياسية السودانية.
وقد تبدو الخطوة للوهلة الأولى مجرد تفاهم سياسي بين طرفين مختلفين في المرجعيات والرؤى والمواقف.. لكن قراءة خلفيات الطرفين وتاريخ العلاقة بينهما تكشف أن الأمر يتجاوز حدود “البيان المشترك” ويحمل في داخله دلالات سياسية تستحق التوقف عندها.
فأهمية هذا الحدث لا تكمن فقط في ما اتفق عليه الطرفان وإنما في “كونهما” وصلا إلى هذا الاتفاق رغم المسافة السياسية والفكرية التي كانت تفصل بينهما. فعبدالواحد محمد نور عُرف بمواقفه اليسارية المتشددة والداعية الى “العلمانية” وبمواقف كذلك واضحة تجاه الإسلاميين.. بينما ينطلق المؤتمر الشعبي من خلفية إسلامية وله بدوره مواقف ورؤى سياسية تجاه اليسار والقوى الداعية للعلمانية.. ومن هنا فإن جلوس الطرفين معاً والدخول في حوار انتهى إلى إصدار بيان مشترك يحمل في ذاته معاني سياسية تتجاوز النص المكتوب إلى ما يمكن أن ينتج عنه لاحقاً.
ولعلّ أقرب تجربة تاريخية يمكن استحضارها لفهم أبعاد هذا التقارب هي مذكرة التفاهم التي وقعها المؤتمر الشعبي بقيادة الراحل الدكتور حسن الترابي والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل الدكتور جون قرنق في فبراير 2001 بالعاصمة السويسرية جنيف.. فقد شكلت تلك المذكرة في حينها تحولاً مهماً في مواقف الطرفين كما تركت آثاراً واضحة على المشهد السياسي السوداني برمته.
لقد نصت مذكرة التفاهم آنذاك على التعاون في سبيل الوصول إلى «تسوية تاريخية وحل سلمي شامل للمشاكل» في السودان.. كما دعت إلى تصعيد المقاومة الشعبية السلمية من أجل دفع النظام إلى التخلي عن سياساته.. وكانت المذكرة بما تضمنته من مبادئ بمثابة إعلان سياسي يتجاوز مجرد التفاهم بين طرفين إلى محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي من خلال توافق مواقف قوى كانت حتى وقت قريب تقف على طرفي نقيض.
ومن هنا يمكن فهم التشابه بين تجربة الأمس وتفاهمات اليوم.. فالبيان المشترك تحدث عن ان الأزمة السودانية ليست نتاج ظرف طارئ، وإنما نتيجة إخفاقات وتحولات تاريخية ممتدة في بنية الدولة، وأن تجاوزها يتطلب نقاشاً شجاعاً وواضحاً وشفافاً وصولاً إلى تغيير حقيقي يتجاوز الحلول الجزئية ويفضي إلى تسوية تاريخية تنهي دوامة الحروب بصورة نهائية وتؤسس لدولة المواطنة المتساوية بين جميع السودانيين.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط التشابه بين “التجربتين” إذ إن جوهر الفكرة في الحالتين يقوم على تجاوز المعالجات الجزئية للأزمة السودانية والنظر إليها باعتبارها أزمة دولة وبنية سياسية لا مجرد خلاف بين حكومة ومعارضة أو بين المركز والأطراف.
وإذا كان التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً فإنه في كثير من الأحيان يقدم إشارات تستحق التأمل.. فالتقارب الذي حدث بين المؤتمر الشعبي والحركة الشعبية في عام 2001 فتح الباب أمام تطورات سياسية لاحقة كان من أبرزها انخراط المؤتمر الوطني في مفاوضات مع الحركة الشعبية انتهت في نهاية المطاف إلى اتفاقية السلام الشامل.
وقد أدرك المؤتمر الوطني آنذاك أن استمرار التقارب بين المؤتمر الشعبي والحركة الشعبية يمكن أن يعيد تشكيل المشهد السياسي بصورة تهدد “سلطته”! وأن نشوء تفاهم واسع بين قوى سياسية متباينة قد يفتح الطريق أمام حوار سياسي شامل يعيد توزيع موازين القوى وبالتالي سحب الشرعية السياسية من تحت قدميه..؟!.
ولذلك فإن ما يجري اليوم يستحق قراءة مختلفة عن القراءة السطحية التي تتعامل معه باعتباره مجرد لقاء أو بيان مشترك.. فالحرب هذه المرة مشتعلة في دارفور وحركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور تمثل أحد أبرز الأطراف السياسية والعسكرية المرتبطة بقضية دارفور وفي الوقت نفسه تتحدث الحركة عن الأزمة السودانية باعتبارها أزمة وطنية شاملة، لا قضية إقليمية منفصلة.
والأكثر دلالة أن حركة عبدالواحد ظلت خلال السنوات الماضية على خلاف عميق مع الحكومات السودانية المتعاقبة.. وكانت تتعامل بتحفظ شديد مع مسارات التفاوض وترفض في أوقات” مختلفة” الدخول في مفاوضات مع الحكومات السابقة لعدم اقتناعها بجدية تلك المسارات أو بقدرتها على الوصول إلى حلول حقيقية.. ولذلك فإن انتقالها إلى الجلوس مع المؤتمر الشعبي كحزب سياسي على “النقيض” معها ثم إصدار بيان مشترك معه يمثل في حد ذاته تطوراً سياسياً لافتاً.
فأن يجلس حزب ذو خلفية إسلامية وله مشروع ورؤية سياسية واضحة، مع حركة ذات مرجعية ومواقف يسارية داعية للعلمانية صراحة.. ويصل الطرفان إلى نقاط تفاهم حول قضايا تتعلق بمستقبل الدولة السودانية فهذا يعني أن مساحة الاتفاق حول القضايا الوطنية قد تكون أوسع من مساحة الخلافات الأيديولوجية والسياسية.
وهذه في تقديري إحدى أهم الرسائل التي يحملها هذا التطور.. فالأحزاب والقوى السياسية لا ينبغي أن تظل أسيرة الخصومات التاريخية أو الخلافات الفكرية وإنما يفترض أن تمتلك القدرة على الحوار مع الآخر حتى عندما تكون المسافة بينهما واسعة وأن تبحث عن نقاط الالتقاء عندما يتعلق الأمر بمصير الوطن ومستقبله.
غير أن السؤال الأكثر أهمية يبدأ من هنا.. إلى أين يمكن أن يقود هذا التقارب؟.. إن استحضار تجربة المؤتمر الشعبي والحركة الشعبية في عام 2001 ليس فقط استدعاء للتاريخ وإنما ايضا هو محاولة لفهم ما يمكن أن ينتج عن مثل هذه التفاهمات عندما تتحول من بيان سياسي إلى مسار حوار مستمر.. فقد أدى التقارب بين الطرفين في ذلك الوقت إلى خطوات لاحقة كان من بينها الاتفاق الذي وقّعه الطرفان في لندن يوم 16 فبراير 2002 حول جملة من القضايا واعتُبر حينها تتويجاً لمذكرة التفاهم التي سبق أن وقعها الطرفان قبل عام.
ومن هنا فإن الخطوة المنطقية التالية في المسار الحالي تتمثل في ألا يتوقف التقارب بين المؤتمر الشعبي وحركة تحرير السودان عند حدود البيان المشترك، وإنما أن يتحول إلى حوار مستمر حول «أمهات» القضايا التي تشغل السودانيين.. وأن يبحث الطرفان بصورة أعمق في طبيعة الأزمة وأسبابها وكيفية الوصول إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة.. وفي هذه الحال يكون هذا البيان المشترك بداية لمسار وليس نهايته.
وفي هذا السياق فإن المشهد السياسي السوداني قد يكون أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الاوراق السياسية وتغيير الاصطفافات الحزبية.. فالتفاهمات التي تنشأ بين قوى كانت متباعدة في السابق يمكن أن تفتح المجال أمام تحالفات وتقاطعات سياسية جديدة..وقد تدفع أطرافاً أخرى إلى إعادة حساباتها ومواقفها، خصوصاً إذا اتسعت دائرة الحوار لتشمل قوى سياسية ومجتمعية أخرى.
والقول بإن ماحدث من تفاهم بين الشعبي والشعبية في العام 2001 احدث تغييرا جوهريا في المسار السياسي في السودان وإعاد تشكيل الخارطة السياسية تماما قول “لايطلق” على عواهنه فالوقائع التاريخية تثبت ذلك..فبعد هذه المذكرة انفض سامر.! التجمع الوطني الديمقراطي الى الابد..وعادت المعارضة الى الداخل.. و”شكلت” كتلة معارضة جديدة وهي قوى الاجماع الوطني التي اصبح المؤتمر الشعبي من مؤسسيها رغم خروجه من السلطة حديثا.. كما انها جعلت الحزب الحاكم “المؤتمر الوطني” يشعر بالخطر ويذهب الى مفاوضات مع الحركة شعبية ولكن من دون “بصر ولابصيرة”!.. وذلك معناه ان التقارب بين الشعبي والشعبية انذاك.. ساهم مساهمة كبيرة جدا في “هندسة” المشهد السياسي السوداني وادى الى تغيير المسار السياسي برمته في السودان.
وهنا تحديداً تظهر أهمية الخطوة الأخيرة بين المؤتمر الشعبي وحركة تحرير السودان.. فهي لا تكمن فقط في مضمون ما اتفق عليه الطرفان وإنما في احتمال أن تصبح هذه التفاهمات مدخلاً لإعادة “هندسة” المشهد السياسي السوداني وإعادة التحالفات والاصطفافات القائمة.. وتغيير المجريات في الساحة السودانية كما حدث عقب مذكرة التفاهم بين الشعبي والشعبية.
كما أن تشابه الظروف الراهنة من حيث استمرار الحرب وتعقيد الأزمة السياسية مع بعض ملامح المرحلة التي سبقت تفاهمات عام 2001 يجعل المقارنة بين التجربتين أمراً مشروعاً وإن كانت الظروف الحالية مختلفة بعض الشيء عن ظروف ذلك الوقت.. فالتدخلات الخارجية أصبحت الان اكثر “سفورا”!.
فإذا كان تقارب المؤتمر الشعبي مع الحركة الشعبية قد أسهم آنذاك في خلق واقع سياسي جديد.. فإن السؤال المطروح اليوم هو هل يمكن تقارب د.علي الحاج مع أ.عبدالواحد محمد نور يمكن أن ينتج عنه هو الآخر واقعاً سياسياً جديداً، كما حدث عندما تقارب د.حسن الترابي مع د.جون قرنق في وقت سابق؟!.. وهل يمكن أن يدفع هذا التطور المؤتمر الوطني الذي كان” يدير” السلطة في السابق “علنا” ولكنه هو ذاته “يديرها ويحركها” الان “متخفيا” ومن من وراء حجاب..! إلى إعادة النظر في حساباته والانتقال نحو تفاوض جاد حول تسوية شاملة للأزمة السودانية؟!.
إن ما حدث في أديس أبابا في الرابع عشر من سبتمبر الماضي ينبغي ان لايعد تفاهم سياسي “عادي” في سجل الأحداث السودانية المتلاحقة وإنما يجب ان ينظر اليه كمسار سياسي جديد.. مسار قد تتسع دائرته تدريجياً ويعيد ترتيب التحالفات ويفتح الباب أمام ضغوط سياسية متزايدة.. ربما تقود في نهاية المطاف إلى طاولة تفاوض أوسع تبحث عن حل سياسي شامل للأزمة السودانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.