الرؤية نيوز

إسحق أحمد فضل الله يكتب:(البشير…)

0 99

متابعة:الرؤية نيوز
بعد كل علقةٍ ممزِّقة، اعتاد إعلام مخابرات الإمارات، التي تقود الجنجويد، إطلاق كذبةٍ كبيرة لتحويل عيون الناس عن العلقة.
وبعد ما نالوه في نيالا، أطلقوا كذبة أن البشير مات.
……
نستقبل الإشاعة ونعلم أن البشير في أمان الله، لكن شيئًا يخطر لنا…
البشير سوف يموت،
وأنا إسحاق سوف أكون قد ذهبت قبله إلى القبر، فأنا أكبره بأعوام.
وهنا ما يخطر لنا هو أن نكتب رثاءً للبشير، لأكون أول ميتٍ يكتب رثاءً في من مات بعده.
……
(1)
(البشير… مات)
العيون تنظر في وجهي وكأنها تقول في لوم:
:: لماذا تحيا بعد هذا العمر؟ يجب أن تشعر بالعار.
وأنا أشعر بالعار، لكنني بلا حيلة. وفي رواية الموحييه، التي كتبناها، ننظر فيها إلى عجوزٍ تحت حائط ونقول:
:: أبونا… لماذا تجلس هنا؟
قال: وماذا أفعل؟ لا الدنيا تريدني ولا الآخرة تريدني.
ألتفت… زملائي ماتوا… فلان وفلان…
……
البشير مات.
الله أكبر… من القوة إلى الهوّة يا بشير. يجب ألا تستند هرمًا على كتف أحد.
لو استطعت – أنفةً – أن تمشي إلى قبرك دون أن يحملك أحد لفعلت.
البشير… أنا سبقتك إلى هنا.
ما يتعفّن في الإنسان ليس جسده حين يموت… لا…
ما يتعفّن في الإنسان هو كل شيء حوله حين يهدمه العمر، وحين يتقشّر مثلما يتقشّر طلاء حائطٍ قديم.
وأنا أعرفك يا بشير.
وفي يوم جمعة يطرق بابي شباب ويقولون:
;; الرئيس عايزك.
ومن ذهولي أقول:
:: ياتو رئيس؟
قالوا:
:: إنت عندك كم رئيس؟
وفي بيته بالقيادة نجلس للإفطار: فول، وجبنة، ونصف سمكة.
والبشير، وهو منطلق في الحديث والنكات، يطحن الفول بقعر زجاجة.
وبكري حسن صالح لا يقصّر.
نسوق هذا لنقول إننا لا ننسى.
وبعد الفطور ينصرف بكري، ويصرف البشير الياور، ونجلس في الصالون منفردين.
والبشير، شأن من يحمل قولًا ثقيلًا، يظل صامتًا، ينظر إلى الأرض، لا يعرف من أين يبدأ…
ينكمش وجهه، ثم يشرع في الحديث.
نستأذن في التسجيل فيرفض.
وعندها لا نسجّل.
وبعدها يتبعنا ندمٌ طويل… فقد كان ما سمعناه شيئًا لا يصوّره عقل.
……
البشير حدّثنا عن كل شيء،
وكل حدث، وكل أحد.
وكانت أيام الانشقاق حارة…
أيام انشقاق المؤتمر الوطني… واستقالة الخمسة: طه، والجاز، ونافع، وغندور.
وكانت تلك أيام انشقاق الإسلاميين.
والبشير حدّثني عن هؤلاء… وحتى عن صلته بالترابي.
ومثلما لا يُحكم على الطبيب إلا طبيب، فإنه لا يفهم ولا يُحكم على الصلة بين البشير والترابي إلا من عانى ما عاناه البشير والترابي.
……
وقالوا: البشير مات…
حفظك الله يا بشير،
ورحمك الله يا ترابي.
ويومًا كنا في ليل المحيط، والطائرة تضربها عاصفة مجنونة،
والطائرة تشخر وتنحدر هاويةً إلى المحيط،
والركاب من كل الجنسيات، ينسكب كل واحدٍ منهم في دعاء من يطلب نجاته من الموت.
وقالت لنا النفس:
:: أها يا إسحاق… عندك شنو؟
ونقول للنفس:
:: عندي أنني أخٌ مسلم منذ أربعين سنة،
وعندي أن البشير فتح لنا باب الجهاد والموت في شأن الله…
فماذا أخشى؟
……
البشير…
إسحاق الذي مات قبلك، والذي يقدّم للناس شهادةً عنك،
يقدّمها من قبره.
يستطيع أن يقول الكثير عن الكثير من الناس،
لكن إسحاق يفضّل الحديث عن الكرام فقط،
وعن من جعلوا لحياتنا قيمة، ولموتنا معنى.
……
بريد
والبريد هذا هو خطابٌ منا نرسله إلى نوعٍ من الناس.
الرجاء ممن لم يفهم حديثنا هذا أن يبحث عمّا يفهمه في كتاب المطالعة النافعة الذي يُدرَّس في الابتدائية.
والحديث هذا جزءٌ من حديثٍ طويل،
والمساحة المخصّصة لنا هي ما يحكم.
ونتابع إن شاء الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.