الرؤية نيوز

حين تُدين الولايات المتحدة نفسها أمام العالم

0 92

متابعة:الرؤية نيوز
أيًّا كانت المبررات التي ساقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتبرير إجراءات عسكرية وأمنية طالت العاصمة الفنزويلية كراكاس وقيادتها السياسية، فإن جوهر الحدث يتجاوز التبرير إلى الفعل نفسه، وما يحمله من دلالات قانونية وأخلاقية خطيرة. فالقضية هنا لا تتعلق بشخص أو نظام، بل بمبدأ أساسي يقوم عليه النظام الدولي: سيادة الدول وعدم جواز التدخل في شؤونها الداخلية.
الحقيقة الأولى التي لا يمكن القفز فوقها هي أن ما جرى – بشهادة خبراء وأكاديميين في القانون الدولي وحقوق الإنسان – يُعد انتهاكًا صريحًا لسيادة دولة مستقلة، وخرقًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر استخدام القوة أو التهديد بها خارج إطار الشرعية الدولية. فالدول، مهما اختلفت أنظمتها السياسية، تملك الحق الحصري في إدارة شؤونها الداخلية دون وصاية أو إكراه خارجي.
أما الحقيقة الثانية، فهي أن هذا السلوك يكشف تناقضًا بنيويًا في الخطاب الأميركي نفسه. كيف يمكن لدولة لطالما قدّمت نفسها بوصفها حامية للديمقراطية وحقوق الإنسان أن تلجأ إلى منطق القوة، وتتجاوز المؤسسات الدولية، وتفرض ما يشبه «العدالة بالقوة»؟ إن مثل هذه الأفعال لا تُدين الطرف المستهدف بقدر ما تُقوّض مصداقية من يمارسها، وتُفرغ شعارات الديمقراطية من مضمونها الحقيقي.
إن اعتقال أعلى سلطة في دولة ذات سيادة، خارج أي إطار قضائي دولي معترف به، لا يمكن اعتباره إجراءً قانونيًا، بل سابقة خطيرة تهدد استقرار النظام الدولي، وتفتح الباب أمام شريعة الغاب، حيث تصبح القوة هي الحكم والفيصل. وبهذا المعنى، فإن الإدارة الأميركية، وتحديدًا ترامب، لم تكن في موقع من يُحاكم الآخرين، بل وضعت نفسها موضع الاتهام أمام الرأي العام العالمي.
خلاصة القول إن ما جرى ليس مجرد حدث عابر في سياق صراع سياسي بين واشنطن وكاراكاس، بل مؤشر مقلق على تغليب السياسة الاقتصادية الأميركية عند الأزمات، بالتزامن مع تراجع احترام القانون الدولي. وعليه، فإن الدول الكبرى، حين تتعارض مصالحها مع المبادئ التي تنادي بها، لا تتردد في التخلي عنها. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: ليس على دولة بعينها، بل على فكرة العدالة الدولية نفسها، وعلى دول أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا ذات السيادة على ثرواتها، التي تضع أميركا عينيها عليها، أن تستيقظ وتقف على أهبة الاستعداد، ومن ضمنها السودان، الذي استهدفته الحرب في أمن البحر الأحمر والتجارة الدولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.