الرؤية نيوز

أزمة حسابات بنكك تتصاعد… بنك السودان المركزي يمنح بنك الخرطوم مهلة 48 ساعة

0 2

حين تهتز الثقة بين المودعين ومؤسساتهم المالية، يصبح أي خطأ إداري صغير اختبارًا واسع الدلالة على قدرة النظام المصرفي على العمل في بيئة مضطربة.

وما حدث بين بنك السودان المركزي وبنك الخرطوم خلال الأيام الماضية يقدم مثالًا واضحًا على هذا التوتر، حيث تحوّل اقتطاع رسوم غير معلن عنها إلى قضية تتجاوز حدود الإجراء الفني لتلامس جوهر الحوكمة المصرفية في بلد يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية عميقة.

فبعد موجة غضب واسعة أثارها قيام بنك الخرطوم بخصم مبالغ من حسابات العملاء دون إخطار مسبق، أصدر البنك المركزي توجيهًا صارمًا يلزم المصرف بإعادة جميع المبالغ المقتطعة خلال 48 ساعة. ويأتي هذا التدخل في لحظة حساسة، إذ يحاول المركزي إعادة فرض قواعد الانضباط على قطاع مصرفي يعمل تحت ضغط الحرب، وتراجع الثقة، وتوسع المعاملات خارج النظام الرسمي.

ويستند البنك المركزي في موقفه إلى مبدأ أساسي: أن رسوم صندوق ضمان الودائع—وهو آلية تنظيمية لحماية أموال المودعين في حال تعثر البنوك—لا يجوز تحميلها لحسابات الادخار، بل يجب أن يتحملها المصرف نفسه. أما الحسابات الاستثمارية، التي تخضع لقواعد مختلفة، فيمكن أن تُقتطع منها مساهمات محددة، لكن وفق ضوابط واضحة وإفصاح مسبق. غير أن مراجعة المركزي كشفت أن بنك الخرطوم خلط بين الفئتين، فخصم مبالغ من حسابات ادخارية بعد إضافة أرباح لها، وهو ما اعتبره البنك المركزي إجراءً غير صحيح.


ولم يكتفِ المركزي بالمطالبة برد الأموال، بل ألزم المصرف بإعادة صياغة علاقته مع العملاء على أسس أكثر شفافية. فقد شدد على ضرورة توضيح شروط الحسابات قبل فتحها، وشرح مزايا كل فئة، والإفصاح عن الأرباح والرسوم، وإتاحة حرية القبول أو الرفض دون ضغوط. كما طالب بمراجعة العقود واستمارات فتح الحسابات للتأكد من خلوها من البنود المجحفة، في خطوة تعكس رغبة في إعادة ضبط الممارسات المصرفية التي تدهورت خلال سنوات الحرب.

ويستند هذا التوجيه إلى إطار قانوني واضح، إذ يحدد قانون صندوق ضمان الودائع لعام 1996 نسب المساهمات السنوية: 2 في الألف من الودائع الجارية والادخارية، و2 في الألف من حسابات الاستثمار، إضافة إلى مساهمة مماثلة من أصحاب الحسابات الاستثمارية، بينما تتحمل الحكومة والبنك المركزي 10% من إجمالي المساهمات. غير أن تطبيق هذه القواعد يتطلب دقة في التصنيف وإفصاحًا شفافًا، وهو ما غاب في حالة بنك الخرطوم.


وتكشف هذه الأزمة عن تحدٍ أوسع يواجه القطاع المصرفي السوداني: كيف يمكن الحفاظ على ثقة العملاء في ظل اقتصاد مضطرب، وتضخم مرتفع، وتراجع في القدرة الشرائية، واعتماد متزايد على التطبيقات المصرفية؟ فالمسألة لا تتعلق برسوم صغيرة، بل بمدى قدرة البنوك على الالتزام بالقواعد التنظيمية في وقت تتعرض فيه مؤسسات الدولة لضغوط غير مسبوقة.

وفي المدى القريب، سيُنظر إلى استجابة بنك الخرطوم لهذا التوجيه باعتبارها اختبارًا لالتزامه بالمعايير الرقابية. أما على المدى الأبعد، فإن القضية تطرح سؤالًا أكبر: هل يستطيع النظام المصرفي السوداني إعادة بناء علاقة قائمة على الثقة والشفافية مع عملائه، أم أن هذه الحوادث ستعمّق الفجوة بين المواطنين ومؤسساتهم المالية في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى قطاع مصرفي قوي وموثوق لدعم التعافي الاقتصادي؟

الراكوبة نيوز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.