الرؤية نيوز

أكاديمي سوداني يكشف السبب الحقيقي وراء فشل الحكومات الحزبية

0 0

أرجع الأكاديمي والباحث الدكتور محمد جلال هاشم، فشل تجربة الأحزاب السياسية في الحكم في السودان إلى تبنيها للأيديولوجيات الفكرية.

واعتبر خلال حديثه لبرنامج المنتدى السوداني الذي بثه تلفزيون السودان، أن الأيديولوجيا تقود إلى تشويه الواقع وتعيق بناء مشروع سياسي قادر على معالجة قضايا الدولة والمجتمع، داعياً إلى مراجعة نقدية للخطاب السياسي السائد والانطلاق نحو فهم أكثر واقعية يعكس تنوع السودان.

وقال هاشم، إن الأحزاب التي تتبنى أطرًا أيديولوجية مغلقة غالباً ما تواجه صعوبات في إدارة الشأن العام، مشيراً إلى أن الأيديولوجيا، بحسب رؤيته، تفرض تصورات مسبقة قد تعيق الفهم الواقعي للتحولات السياسية والاجتماعية.

وأوضح أن الأحزاب السودانية، على اختلاف مرجعياتها الفكرية، تشترك في خلفيات أيديولوجية وصفها بـ”الإسلاموعروبية”، معتبراً أن ذلك أسهم في تشكيل مواقفها السياسية وأثر على أدائها خلال المراحل المختلفة من تاريخ السودان الحديث.

وأشار إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على السودان وحده، بل تظهر في تجارب سياسية عديدة حول العالم، حيث تتبنى قوى سياسية متباينة أطرًا أيديولوجية متقاربة تقود، في بعض الأحيان، إلى أنماط متشابهة من الهيمنة أو الإقصاء.

واستعرض عدداً من المحطات التاريخية في تطور العمل السياسي السوداني، بدءاً من حركة اللواء الأبيض مروراً بمؤتمر الخريجين وصولاً إلى الأحزاب الحديثة، معتبراً أن الخطاب السياسي السائد خلال تلك المراحل تأثر بصورة كبيرة بالنزعات القومية العربية على حساب إبراز المكونات الإفريقية في الهوية السودانية.

وأكد أن ما وصفه بـ”الاشتراك الأيديولوجي” بين مختلف التيارات السياسية يمثل أحد العوامل الرئيسة في استمرار الأزمات السياسية بالبلاد، داعياً إلى تبني مقاربات أكثر واقعية تستوعب التنوع الثقافي والاجتماعي وتسهم في بناء مشروع وطني جامع.

وحول التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي اكد د. محمد جلال هاشم أن القوى الإمبريالية، خاصة في ظل النيوليبرالية، تعمل على إضعاف الفعل السياسي في الدول النامية عبر توظيف منظمات المجتمع المدني وتحويل الشباب من العمل السياسي إلى النشاط المدني، بما يحد من تأثيرهم في التغيير الحقيقي.

وأشار إلى أن التحولات الفكرية المرتبطة بما بعد الحداثة أسهمت في إضعاف القيم المطلقة، مثل سيادة الدول وحقوقها، مما أتاح – بحسب وصفه – للقوى الإمبريالية تطوير أدواتها عبر الليبرالية المحدثة، قائلاً: “في عصر ما بعد الحداثة أصبحت القيم نسبية، الأمر الذي فتح المجال لانتهاك سيادة الدول دون ضوابط واضحة”.

وأضاف أن من أبرز أدوات هذه المرحلة “تجريد المجتمعات من قواها الفاعلة، خاصة الشباب، عبر استقطابهم للعمل في المنظمات الممولة دولياً”، لافتاً إلى أن ذلك يؤدي إلى إضعاف انخراطهم في الأحزاب السياسية.

وقال: “يتم تحويل الشباب من فاعلين سياسيين إلى ناشطين في منظمات، عبر برامج تمويل توفر لهم فرصاً مؤقتة، لكنها تُبعدهم عن المسار الوطني والسياسي”، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة برزت في السودان منذ مطلع الألفية مع توسع نشاط المنظمات الدولية.

واستشهد هاشم بتجارب ميدانية واجتماعات دولية، مبيناً أن بعض القوى الدولية لا تدعم التغيير السياسي الحقيقي في السودان، مضيفاً: “في أحد الاجتماعات قيل بوضوح إنهم لا يؤيدون أي برنامج لتغيير النظام، ما يعكس طبيعة الأجندة الخارجية”.

وأشار إلى أن بعض الحركات الشبابية ظهرت في إطار نشاط مدني معارض، لكنها لم تتطور إلى عمل سياسي منظم، مما أضعف تأثيرها في إحداث التغيير، خاصة خلال أحداث سابقة.

وفي المقابل، أكد هاشم دعمه لمنظمات المجتمع المدني الوطنية، موضحاً أنه “ليس ضد العمل المدني في حد ذاته، وإنما يدعو إلى التمييز بين المنظمات الوطنية المستقلة وتلك التي تخضع لأجندات خارجية”.

وختم بالتأكيد على أهمية بناء عمل سياسي وطني مستقل، يعيد دمج الشباب في الأحزاب ويعزز دورهم في قيادة التغيير، مع ضرورة وضع معايير واضحة لضمان استقلالية منظمات المجتمع المدني.

من جهته دعا الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد حامد جمعة في حديثه خلال البرنامج ، إلى ضرورة الحفاظ على دور المثقف السوداني في مجالات الثقافة والتراث، محذراً من دفعه نحو العمل السياسي على حساب إسهاماته الفكرية والمعرفية، مؤكداً أهمية توظيف البعد الثقافي والاجتماعي في تعزيز علاقات السودان بدول الجوار.
وأشار جمعة، إلى أن بعض المثقفين، يمتلكون أطروحات متميزة في مجالات الثقافة والهوية والعلاقات الإفريقية، لافتاً إلى أن “هذه الإسهامات تمثل قيمة مضافة ينبغي استثمارها في مسارها الطبيعي، بدلاً من الزج بها في أتون العمل السياسي”.

وأوضح أن السودان لم يحسن توظيف المشتركات الثقافية والاجتماعية مع دول الجوار، رغم التقارب الشعبي الكبير، مبيناً أن “المزاج الشعبي في دول مثل إثيوبيا وتشاد أقرب إلى السودان، لكن غياب الآليات الرسمية حال دون الاستفادة من هذا التقارب في خدمة المصالح الوطنية”.

وأضاف أن التداخل الاجتماعي والثقافي، خاصة في مناطق الحدود، يمثل فرصة حقيقية لتعزيز العلاقات، مشدداً على ضرورة تطوير أدوات تستثمر هذه الروابط.

وفي السياق ذاته، انتقد جمعة تحوّل عدد من المثقفين إلى واجهات للأحزاب السياسية، معتبراً أن هذا الاتجاه أضعف دورهم المجتمعي، وقال إن “الطابع السياسي غلب على مشاريع الأحزاب، على حساب البعد الاجتماعي والثقافي، مما أدى إلى نوع من العزلة بين النخب والمجتمع”.

واستشهد بتجارب عدد من المفكرين والأكاديميين الذين قدموا إسهامات كبيرة في دراسة المجتمعات السودانية، إلا أن حضورهم في التأثير السياسي ظل محدوداً، مشيراً إلى أن “غياب التوازن بين الفكر والعمل السياسي أضعف الاستفادة من هذه الكفاءات”. مؤكدا أهمية تمسك المثقفين بدورهم التنويري، داعياً إلى تعزيز حضورهم في القضايا المجتمعية

النورس نيوز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.