الرؤية نيوز

ما قصة منصة «العسجد»؟ ولماذا أشعلت الجدل في السودان؟

0 8

في بلد يحاول إعادة بناء قطاعه المصرفي بعد سنوات من الحرب والانهيار المؤسسي، جاء الإعلان عن تدشين منصة «العسجد» الرقمية في بورتسودان ليكشف عن مفارقة لافتة: فبينما تسعى الدولة إلى اللحاق بركب التحول الرقمي وتحديث أنظمة المدفوعات، أثار الحدث نفسه موجة واسعة من الجدل حول طبيعة الشركة، خلفيات تأسيسها، ومدى جاهزيتها الفنية لتولي دور محوري في البنية التحتية المالية للبلاد. هذا التناقض يعكس حالة عدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد السوداني، حيث تختلط الحاجة الملحّة للتطوير مع مخاوف تتعلق بالثقة والشفافية والسيادة التقنية.


فقد شهدت بورتسودان، في الأول من يوليو 2026، احتفالاً رسمياً بتدشين المنصة الجديدة التابعة لشركة «العسجد» للحلول الذكية والرقمية، بحضور ممثلين لمجلس السيادة وبنك السودان المركزي واتحاد المصارف ومديري بنوك وخبراء اقتصاد. وقد قُدمت المنصة باعتبارها خطوة نحو “توحيد المصارف السودانية في منصة مركزية واحدة”، بما يتيح التحويلات الفورية، ومدفوعات التجزئة، وسداد الفواتير والخدمات الحكومية، وإدارة البطاقات المصرفية، في محاولة لإعادة بناء منظومة الدفع الإلكتروني التي تعرضت لدمار واسع خلال الحرب.

ووصف الفريق محجوب البشرى، ممثل عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر، تدشين الرخصة بأنه “إعلان بأن السودان يكون جزءاً من اقتصاد المستقبل وليس متفرجاً عليه”، مضيفاً أن محول الدفع يمثل “الشريان الذي ترتبط به كل البنوك”، وأنه “الضوء الذي يكسر جدران الجذر المغلقة”. هذا الخطاب يعكس رغبة رسمية في تقديم المنصة كرمز لمرحلة جديدة، تتجاوز سنوات الانقطاع الرقمي التي فرضتها الحرب.


لكن خلف هذا الاحتفاء الرسمي، برزت تساؤلات واسعة حول الشركة نفسها، خاصة بعد تداول أنباء عن ارتباط غير مباشر لها بدولة الإمارات عبر أيمن أبو جيبين، الرئيس السابق لنادي المريخ، والمتزوج من عسجد الكاظم التي تتولى إدارة المنصة. ورغم أن هذه المعلومات لم تُثبت رسمياً، فإن تداولها يعكس حساسية الرأي العام تجاه أي مشروع تقني يمس البنية المصرفية، في ظل مخاوف تتعلق بالسيادة على البيانات المالية.

مصدر مصرفي رفيع مقرب من بنك السودان أوضح أن البنك منح خلال الفترة الماضية تراخيص لعدد من الشركات الوطنية للعمل كمشغلي محولات معاملات مالية، من بينها «برايت تكنولوجيز» و«نهضة للتقنية» و«سودا بوست» إلى جانب «العسجد». وأشار إلى أن هذه الخطوة تأتي استجابة لحاجة القطاع المصرفي إلى توسيع خدمات الدفع الإلكتروني وربط المصارف التي لا تمتلك محولات خاصة بها، بما يعزز الشمول المالي ويتيح خدمات التجزئة الحديثة، وربط أجهزة الصراف الآلي، وشركات الاتصالات والكهرباء والجهات الحكومية المحصلة للرسوم
وأكد المصدر أن منح تراخيص لمحولات خاصة لا يمس الدور السيادي لبنك السودان المركزي، الذي يظل الجهة المسؤولة عن إدارة التسويات والرقابة على منظومة المدفوعات، بينما تعمل المحولات الخاصة ضمن الإطار التنظيمي الذي يضعه البنك. كما أشار إلى أن هذه التجربة ليست فريدة، بل مطبقة في دول مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا وكينيا.

لكن هذا الطرح لم يمنع بروز انتقادات لافتة، إذ تساءل الخبير في التحول الرقمي محمد الخير عن حجم إمكانات الشركة الفنية والمالية، وخبراتها التراكمية، وقدرتها على تأمين البيانات وتلبية متطلبات التشغيل ومكافحة غسل الأموال، مؤكداً أن الشركة حديثة التأسيس وأن حصولها على الترخيص يطرح أسئلة مشروعة حول جاهزيتها. وأوضح أن المنصة لن تحل مكان شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)، باعتبارها المحول القومي، بل ستعمل عبر الربط معها وفق الضوابط التي يضعها البنك المركزي.


أما المحلل المصرفي وليد دليل وفق سودان تربيون فذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن المحولات الرقمية الخاصة “لا تقدم قيمة مضافة حقيقية”، وأنها “تفرض تكلفة إضافية على النظام المالي دون مبرر”، محذراً من أن تشغيل المعاملات خارج المحول القومي قد يؤثر على الرقابة الفورية ويضعف منظومة مكافحة غسل الأموال. كما رأى أن إسناد بيانات الحسابات المصرفية لمنصات خاصة مملوكة لأفراد يثير تساؤلات حول أمن المعلومات، داعياً إلى دعم شركات التكنولوجيا الوطنية لتطوير تطبيقات مالية مبتكرة بدلاً من إنشاء محولات وسيطة.

وفي مواجهة هذا الجدل، أصدرت شركة «العسجد» بياناً توضيحياً أكدت فيه أن المحول المالي يمثل بنية تحتية وطنية تربط البنوك والمؤسسات المالية عبر منصة موحدة، وأن الترخيص ليس امتيازاً حصرياً بل يُمنح لكل شركة تستوفي المتطلبات الفنية والرقابية. وأوضحت أن أفضل الممارسات الدولية تقوم على تولي البنك المركزي مهام التنظيم والرقابة، بينما يتولى القطاع الخاص المرخص تطوير وتشغيل البنية التقنية، بما يعزز المنافسة والابتكار ويرفع كفاءة الخدمات.


ويكشف هذا الجدل عن معضلة أوسع تتعلق بإعادة بناء الثقة في القطاع المصرفي السوداني، الذي فقد 66% من فروعه خلال الحرب، وتعرض لخسائر كبيرة في المعدات والأجهزة والودائع، وفق اتحاد المصارف. وبينما يرى البعض أن دخول شركات خاصة إلى مجال المحولات المالية يمثل خطوة نحو التعافي، يرى آخرون أن هذه الخطوة تحتاج إلى حوكمة صارمة وضمانات واضحة لحماية البيانات وتعزيز السيادة التقنية.

وفي بلد يحاول إعادة بناء اقتصاده من تحت الأنقاض، تبدو رخصة «العسجد» أكثر من مجرد مشروع تقني؛ فهي اختبار لقدرة الدولة على تنظيم قطاع حساس، ولقدرة القطاع الخاص على تقديم حلول مبتكرة دون المساس بالثقة العامة. وبين الطموح والقلق، يبقى مستقبل المنصة مرهوناً بقدرتها على إثبات جدارتها الفنية، وبقدرة الجهات الرقابية على ضمان أن التحول الرقمي في السودان لن يكون مجرد شعار، بل خطوة حقيقية نحو اقتصاد أكثر شفافية وكفاءة

الراكوبة نيوز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.