الرؤية نيوز

في ظل تراجع الجنيه.. بنك السودان المركزي يصدر قرارا بتحرير أسعار الصرف

0 2

حين تُفتح ثغرة تنظيمية في سوق نقدي مضطرب، لا تكون آثارها محصورة في لوائح البنوك، بل تمتد لتعيد تشكيل ميزان القوى بين الدولة والسوق الموازي، وتكشف حدود قدرة السياسة النقدية على ضبط اقتصاد يعيش تحت ضغط الحرب. وفي السودان، جاء منشور البنك المركزي الصادر في منتصف أغسطس 2026 ليضع الجهاز المصرفي أمام مرحلة جديدة من المرونة، في وقت تواصل فيه الأسعار خارج القنوات الرسمية التحرك عند مستويات تاريخية، مع اتساع فجوة جغرافية غير مسبوقة في قيمة الجنيه.

أعاد المنشور رقم 2026/16 صياغة قواعد التعامل بالنقد الأجنبي داخل الجهاز المصرفي، إذ منح البنوك حرية تعديل أسعار الصرف المعلنة خلال اليوم، شريطة الإفصاح عنها في لوحات الأسعار قبل اعتمادها. كما سمح لها بشراء حصائل الصادر وفق أسعارها الخاصة، في خطوة تعكس توجهاً نحو تحرير تدريجي للسعر داخل القنوات الرسمية، بعد سنوات من القيود التي حدّت من قدرة المصارف على منافسة السوق الموازي. وألغى المنشور ثلاثة تعاميم سابقة صدرت خلال يناير وأغسطس، ما يشير إلى رغبة في تبسيط الإطار التنظيمي وإزالة القيود التي عطّلت تدفق النقد الأجنبي عبر البنوك.
لكن هذه المرونة الجديدة جاءت في لحظة تتسع فيها الفجوة بين مناطق البلاد بصورة لافتة. ففي الخرطوم وبورتسودان، استقر الدولار عند 6200 جنيهاً في البيع، مع متوسط شراء يبلغ 6000 جنيهاً، بينما بقي السعر في نيالا عند 4600 جنيهاً فقط، في استمرار لانقسام نقدي يعكس اختلافاً في السيطرة الأمنية، وتبايناً في حجم السيولة المتاحة، وتفاوتاً في شبكات التداول المحلية. هذا الانقسام الجغرافي، الذي أصبح سمة ثابتة منذ منتصف 2025، يعقّد مهمة البنك المركزي في توحيد السوق، ويجعل أي سياسة نقدية تعمل في بيئة مجزأة لا في سوق وطنية موحدة.

وفي القطاع المصرفي، ظهرت تحركات محدودة تعكس بداية تفاعل البنوك مع المنشور الجديد. فقد تصدّر بنك البركة قائمة الأسعار، مسجلاً 4414 جنيهاً للشراء و4447 جنيهاً للبيع في التحويل والنقد، بينما رفع بنك المال المتحد سعره إلى 4168.73–4200 جنيهاً. أما بقية المصارف الكبرى—مثل بنك الخرطوم ومصرف السلام والبنك السوداني الفرنسي—فحافظت على نطاقاتها السابقة دون تغيير، في استمرار لنهج التثبيت الذي يطبع السوق الرسمية منذ أشهر.

هذا المشهد المركّب يكشف أن قرار البنك المركزي، رغم أهميته، يواجه بيئة نقدية تتسم بالتشظي الجغرافي، وضعف الثقة في القنوات الرسمية، وتراجع تدفقات النقد الأجنبي، وتوسع اقتصاد الحرب. فالسماح للبنوك بتعديل أسعارها قد يفتح الباب أمام منافسة أكبر مع السوق الموازي، لكنه لا يعالج جذور الأزمة: نقص المعروض، تراجع التحويلات، وانهيار البنية المصرفية في مناطق واسعة.

وتشير القراءة العامة إلى أن السودان يدخل مرحلة جديدة من إدارة النقد الأجنبي، حيث تتقاطع مرونة البنوك مع واقع سوق موازية تفرض إيقاعها على الاقتصاد، بينما يظل مستقبل الجنيه مرتبطاً بقدرة الدولة على استعادة وحدة السوق، ووقف النزاع، وإعادة بناء الثقة في الجهاز المصرفي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.