مذبحة منجم الذهب تهز إثيوبيا.. 700 مقاتل يقتحمون تولو كابي والذهب يختفي
متابعة/الرؤية نيوز
إعداد: عبد القادر الحيمي
أولاً: الهجوم على منجم تولو كابي
في الرابع من سبتمبر 2026، شنت وحدات من جيش تحرير الأورومو (OLA/WPO) هجوماً على منجم للذهب في منطقة تولو كابي الواقعة في غرب ولغا بإقليم أوروميا.
وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر فيه مقاتلون من الأورومو وهم يهاجمون معسكر الشركة العاملة في المنجم. وقد جرى تداول المقطع على أساس أنه يوثق هجوماً نفذته جبهة تحرير بني شنقول على العاصمة أصوصا، إلا أن هذه الرواية، وفق المعلومات الواردة في هذا التقرير، غير صحيحة، إذ يُظهر المقطع مقاتلين من الأورومو أثناء مهاجمة معسكر المنجم.
وكان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قد دشن العمل في مناجم تولو كابي خلال شهر فبراير الماضي، في احتفال كبير شهدته المنطقة.
وتتولى شركة KEFI البريطانية عمليات التعدين والتنقيب عن الذهب والنحاس، بمشاركة جهات حكومية إثيوبية، من بينها جهاز المخابرات والأمن الوطني الإثيوبي (NISS).
ثانياً: خسائر الهجوم وتوقف العمل في المنجم
بحسب ما ورد في بيان الشركة، فقد تعرض المنجم لهجوم أدى إلى مقتل أفراد الحراسة، الذين يبلغ عددهم نحو 200 شخص، بينهم أفراد أجانب. وعلى إثر الهجوم، أعلنت الشركة إغلاق المنجم وتعليق عملياتها بالتنسيق مع شركائها.
وأكدت الشركة أنها لن تستأنف نشاطها إلا بعد توافر مستوى كافٍ من شروط الأمن والسلامة، مع طرح احتمال استئناف النشاط في عام 2028.
وبحسب المعلومات الواردة، تحرك فجر الرابع من سبتمبر نحو 700 عنصر من قوات جيش تحرير الأورومو، وشنوا هجوماً على معسكر المنجم، ما أدى إلى مقتل نحو 200 عنصر من الحراسة، الذين ينتمون إلى الشرطة الفيدرالية الإثيوبية.
كما تشير المعلومات إلى استيلاء المهاجمين على كميات من الذهب الخام قُدرت بنحو 500 كيلوغرام، إضافة إلى إحراق العربات والآليات والمعدات المستخدمة في عمليات إنتاج الذهب.
ثالثاً: انعكاسات الهجوم على بني شنقول وأزمة الوقود
أدى وجود قوات الأورومو في منطقة المنجم، القريبة من إقليم بني شنقول-قمز، إلى تداعيات أمنية مباشرة على الطريق المؤدي إلى أصوصا، عاصمة الإقليم.
وبحسب الرواية الواردة في التقرير، تمكنت القوات من السيطرة على الطريق والاستيلاء على شاحنات محملة بالمحروقات كانت في طريقها إلى أصوصا، قبل إحراقها، الأمر الذي أدى إلى انقطاع إمدادات الوقود عن العاصمة الإقليمية وارتفاع أسعار المحروقات بصورة كبيرة.
ولا تقتصر تداعيات انقطاع الوقود، وفق التقرير، على السكان المدنيين، وإنما تمتد إلى القوات الموجودة في بني شنقول، بما في ذلك قوات الدعم السريع التي يشير التقرير إلى وجودها في الإقليم، إذ إن توقف الإمدادات يعني كذلك توقف أو تراجع إمدادات الوقود الموجهة إليها.
رابعاً: اتساع نطاق المواجهات داخل إثيوبيا
يضع التقرير هجوم تولو كابي في سياق أوسع من التدهور الأمني والعسكري الذي تشهده إثيوبيا.
فبحسب ما يورده، فقدت حكومة آبي أحمد السيطرة على أجزاء واسعة من إقليم أمهرا، كما خرج إقليم تيغراي بصورة كاملة من سيطرتها، إلى جانب فقدان السيطرة على مناطق مهمة ورئيسية في إقليم أوروميا.
وفي أوروميا وأمهرا، تطورت العمليات العسكرية بصورة متسارعة، وأصبحت قوات OLA وقوات فانو تنفذ هجمات على مواقع الجيش الإثيوبي باستخدام تشكيلات عسكرية كبيرة.
ويذهب التقرير إلى أن القوات الحكومية تتكبد خسائر متكررة في المعارك البرية التي تخوضها ضد قوات الأمهرة والأورومو، مشيراً إلى سقوط أعداد من الجنود بين قتلى وجرحى وأسرى.
كما يتناول التقرير ظاهرة فرار بعض الجنود الإثيوبيين، ولا سيما من قومية الأمهرة، وتركهم الخدمة العسكرية، بل وبيع أسلحتهم في بعض الحالات، وفق ما يورده النص، في محاولة للانضمام إلى مهربي البشر والسفر باتجاه ليبيا، ثم الوصول إلى أوروبا.
خامساً: التوتر في بني شنقول بسبب وجود قوات الدعم السريع
يربط التقرير بين انتشار قوات الدعم السريع في معسكرات داخل بني شنقول وبين تصاعد حالة الاحتقان الشعبي في الإقليم.
ووفقاً للنص، فإن وجود هذه القوات، بدعم إثيوبي وإماراتي، تسبب في احتجاجات وتوترات حادة وسط مواطني بني شنقول، ولا سيما أبناء القبائل السودانية في الإقليم.
ويشير التقرير إلى أن ممثلين عن السكان التقوا بحاكم الإقليم الشاذلي حسن العاقب وطالبوه بسحب قوات الدعم السريع من بني شنقول، مؤكدين رفضهم استخدام أراضي الإقليم لتنفيذ عمليات تستهدف أهاليهم وأقاربهم في ولاية النيل الأزرق.
وبحسب الرواية الواردة، تعهد الحاكم بإيصال هذه المطالب إلى رئيس الوزراء الإثيوبي.
سادساً: الخلافات داخل قيادة الجيش الإثيوبي
لا تتوقف تداعيات الصراع عند حدود المواجهات الميدانية، بل تمتد، وفق التقرير، إلى بنية المؤسسة العسكرية والأمنية الإثيوبية.
فالحرب في أوروميا وبني شنقول، وخروج تيغراي من سيطرة الدولة، إلى جانب التوتر في علاقات إثيوبيا مع كل من إريتريا والسودان والصومال ومصر، أسهمت، بحسب التقرير، في ظهور خلافات داخل منظومة القيادة العسكرية والأمنية الإثيوبية، حتى أصبحت هذه الخلافات موضوعاً متداولاً في الشارع الإثيوبي.
وفي هذا السياق، تدور نقاشات واسعة حول مستقبل الجيش وإمكانية إصلاح المؤسسة العسكرية.
وينقل التقرير عن الناشط الإثيوبي عبد المعين عبد السلام محمد أن القضية لا تتمثل في الإبقاء على مؤسسة الجيش بصورتها الحالية أو إلغائها، وإنما في إعادة تأسيسها على أسس تتعلق بالقيادة والعقيدة العسكرية وتسلسل الأوامر وآليات الرقابة والمساءلة وعلاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة التنفيذية.
سابعاً: جدل العلاقة بين الدولة والنظام السياسي
يطرح التقرير كذلك نقاشاً أوسع حول طبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة والسلطة السياسية.
ففي أوساط واسعة من الشارع الإثيوبي، وفق النص، تنتشر مقولة مفادها أن “النظام ليس الدولة”، في إشارة إلى مخاوف من تسييس مؤسسات الدولة وتسخيرها في الصراعات السياسية بهدف الحفاظ على النظام وقياداته.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن بعض القيادات أو الوحدات داخل المؤسسات العسكرية والأمنية قد تكون متورطة في انتهاكات تستوجب التحقيق والمساءلة، إلى جانب الحاجة إلى إعادة بناء المؤسسات على أسس أكثر استقلالاً ومهنية.
ومن هذا المنظور، يؤكد التقرير أن حكومة آبي أحمد لا تمثل الدولة الإثيوبية بكاملها، وأن حزب الرخاء لا يمثل الدولة، كما أن القيادة الحالية للمؤسسة العسكرية ليست هي المؤسسة العسكرية بمفهومها الدستوري الدائم.
ويربط التقرير هذا الجدل بتاريخ طويل من العلاقة بين السلطة والمؤسسة العسكرية في إثيوبيا، مشيراً إلى أن تشكيل قيادات الجيش والأجهزة الأمنية ظل تاريخياً مرتبطاً بالقومية التي تصل إلى السلطة، وهي ظاهرة امتدت من عهد الإمبراطورية إلى مرحلة الجمهورية.
ثامناً: تصاعد الانتقادات للدور الإماراتي في إثيوبيا
على صعيد آخر، يتناول التقرير طبيعة العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا، مشيراً إلى تصاعد الانتقادات داخل الرأي العام الإثيوبي بشأن حجم النفوذ الإماراتي في البلاد.
ويطرح التقرير تساؤلاً حول ما إذا كانت إثيوبيا قد أصبحت، بفعل هذا النفوذ، أشبه بـ”مستعمرة للإمارات”.
وفي هذا السياق، ينقل التقرير عن الدبلوماسي الإثيوبي السابق محمد حسن رأياً مفاده أن الإمارات أصبحت صاحبة تأثير كبير في صناعة القرار في أديس أبابا، وأن نفوذها المالي على رئيس الوزراء آبي أحمد أدى، بحسب هذا الطرح، إلى تحويل إثيوبيا إلى ما وصفه بـ”مستعمرة فعلية” تخدم المصالح الإماراتية في المنطقة.
كما يورد التقرير أن أصحاب هذا الرأي يرون أن الموارد المالية الإماراتية الضخمة عززت نفوذ أبوظبي على الحكومة الإثيوبية، وجعلت آبي أحمد، وفق وصفهم، أكثر ارتباطاً بالمصالح الإماراتية.
تاسعاً: الذهب والموانئ والحرب في السودان
يرى عدد من المراقبين الإثيوبيين، وفق ما يورده التقرير، أن العلاقات الإماراتية الإثيوبية تقوم بصورة أساسية على عاملين رئيسيين:
العامل الأول: الذهب والموانئ.
ويشير التقرير إلى أن الإمارات تمتلك مصالح واسعة في قطاع الذهب، ويربط ذلك بعمليات نقل الذهب السوداني عبر دول تتمتع فيها أبوظبي بنفوذ، ومنها إثيوبيا وتشاد، وصولاً إلى الإمارات.
كما يشير إلى توظيف النفوذ المالي الإماراتي في توسيع السيطرة على موانئ البحر الأحمر والممرات الاستراتيجية في المنطقة.
العامل الثاني: الدور الإثيوبي في الحرب السودانية.
بحسب المراقبين الذين ينقل عنهم التقرير، يتمثل العامل الثاني في استخدام الأراضي الإثيوبية كمنصة لخدمة الحرب في السودان، بما يتوافق، وفق هذا الطرح، مع التوجهات والمصالح الإماراتية.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن هذه السياسات أحدثت تحولاً كبيراً في طبيعة العلاقات التاريخية بين الشعبين الإثيوبي والسوداني.
عاشراً: الدعم الإثيوبي لقوات الدعم السريع
يتناول التقرير كذلك ما يصفه بتورط النظام الإثيوبي في دعم قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات.
ويشير إلى وجود معسكرات تدريب لقوات الدعم السريع داخل بني شنقول، على مسافة تقارب 32 كيلومتراً من الحدود السودانية، كما يذكر أن طائرات مسيرة تنطلق من مناطق إثيوبية، من بينها بحر دار، لتنفيذ ضربات داخل السودان.
ويرى التقرير أن هذه المعطيات، وفق الرواية التي يقدمها، تشير إلى مستوى مرتفع من التنسيق بين إثيوبيا وقوات الدعم السريع.
الحادي عشر: إلى أين تتجه إثيوبيا؟
يخلص التقرير إلى أن التطورات العسكرية والسياسية والأمنية المتزامنة تضع حكومة آبي أحمد أمام تحديات متزايدة.
فقدان السيطرة، بحسب ما يورده النص، على إقليم تيغراي وأجزاء من أمهرا وأوروميا، وهي ثلاثة من أهم الأقاليم الإثيوبية تاريخياً وسياسياً، إلى جانب تصاعد التوترات الداخلية والخلافات داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، كلها عوامل يرى التقرير أنها أضعفت قدرة الحكومة المركزية على إدارة المشهد.
كما يربط التقرير بين هذه التطورات وبين تنامي الانتقادات الموجهة إلى علاقات الحكومة الإثيوبية بالإمارات، فضلاً عن تداعيات الدور الإثيوبي في الحرب السودانية.
وبناءً على مجمل هذه المعطيات، يرى التقرير أن احتمالات تعرض نظام آبي أحمد لأزمة سياسية وأمنية عميقة أصبحت مرتفعة، وأن احتمال انهيار النظام بات، وفق تقدير الكاتب، قريباً جداً.
خلاصة
لا يمثل الهجوم على منجم تولو كابي، وفق القراءة التي يقدمها هذا التقرير، حادثاً أمنياً معزولاً، بل يأتي في سياق أزمة أوسع تتداخل فيها المواجهات المسلحة، وأمن الموارد، وأزمة الوقود، والصراع على النفوذ الإقليمي، والتوترات داخل المؤسسة العسكرية، والعلاقات مع القوى الخارجية، وتداعيات الحرب السودانية.
ومن ثم، فإن السيطرة على الطرق والمنشآت الاقتصادية الحيوية، وما يترتب عليها من تعطيل لإمدادات الوقود، تكشف عن هشاشة متزايدة في قدرة الدولة على تأمين خطوط الإمداد وحماية المنشآت الاستراتيجية، بينما تفتح المواجهات المتصاعدة في أوروميا وأمهرا الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً في المشهد الإثيوبي.
