ماذا قال السودان في جلسة مجلس الأمن؟ أبرز ما ورد في البيان
بيان جمهورية السودان أمام مجلس الأمن بشأن التقرير نصف السنوي للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية حول دارفور
الذي تلاه الوزير المفوض/ عمار محمد محمود فقال :
السيد الرئيس،
في مستهل هذا البيان، يسرني أن أجدد لكم التهاني بمناسبة توليكم رئاسة مجلس الأمن خلال هذا الشهر، متمنياً لكم التوفيق والسداد في إدارة أعمال المجلس، ومؤكداً استعداد وفد بلادي الكامل للتعاون البنّاء معكم في جميع القضايا ذات الصلة، كما أتقدم بالشكر إلى السيدة نزهت شميم خان، نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، على الإحاطة التي قدمتها اليوم إلى المجلس عملاً بقرار مجلس الأمن رقم 1593.
أصحاب السعادة،
تود جمهورية السودان أن تؤكد، بأوضح العبارات، التزامها الراسخ بمبادئ العدالة والمساءلة، لا سيما فيما يتعلق بأشد الجرائم خطورة على الإنسانية، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية. لقد ظل تحقيق العدالة هدفاً محورياً للدولة السودانية، وهو التزام أكدته مراراً قيادة الدولة ممثلة في رئيس مجلس السيادة ورئيس مجلس الوزراء، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن مكافحة الإفلات من العقاب، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، وترسيخ سيادة القانون، تمثل جميعها ركائز أساسية لتحقيق سلام دائم ومستدام. من هذا المنطلق، فإن حكومة السودان تواصل بذل كل ما في وسعها من أجل تحقيق العدالة في دارفور، إيماناً منها بأن السلام والعدالة مساران متكاملان لا يستقيم أحدهما دون الآخر.
السيد الرئيس،
أود أن أؤكد على النقاط التالية:
أولاً:
لقد ارتكبت مليشيا الدعم السريع الإرهابية، وما تزال ترتكب، انتهاكات جسيمة وفظائع مروعة بحق المدنيين في دارفور ومناطق أخرى من السودان، شملت أعمال قتل على أسس عرقية، وعمليات استهداف ممنهجة وواسعة النطاق للمدنيين العزل، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن، فضلاً عن استهداف المدن والبنى التحتية الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. وقد شهد العالم بأسره الجرائم البشعة التي ارتكبتها هذه المليشيا في الجنينة والفاشر، فيما تسعى اليوم إلى تكرار السيناريو ذاته في مدينة الأبيض بشمال كردفان. في هذا الصدد، نرحب بالبيان الصحفي الصادر عن مجلس الأمن، كما نرحب بالقرار الذي اعتمده مجلس حقوق الإنسان بشأن التنديد بتحركات المليشيا في شمال كردفان.
ليس ثمة شك في أن هذه الجرائم تندرج بصورة واضحة وكاملة ضمن الاختصاص الموضوعي والإقليمي للمحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يستوجب الإسراع في استكمال الإجراءات القانونية اللازمة وتوجيه التهم وإصدار أوامر القبض بحق المسؤولين عنها، فبعض مرتكبي هذه الجرائم لم يكتفوا بارتكابها، بل وثقوا أفعالهم بأنفسهم ونشروها علناً في تحدٍ صارخ للعدالة واستهانة بحقوق الضحايا. إن أي تأخير غير مبرر في اتخاذ هذه الخطوات يبعث برسائل خاطئة إلى الجناة ويقوض الثقة في المحكمة الجنائية الدولية في وقت يتطلع فيه الضحايا إلى إجراءات ملموسة تعزز المساءلة وتردع تكرار هذه الجرائم.
ثانياً:
إن الجرائم التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع بلغت هذا الحد من الفظاعة والتمادي بسبب تلقيها الدعم والرعاية والاسناد العسكري والمالي واللوجستي والسياسي والإعلامي من نظام أبو ظبي، ولذلك فإن مقتضيات العدالة تتطلب أن تشمل التحقيقات كل من يثبت تورطه في تقديم التمويل والدعم أو التسهيل والتحريض لارتكاب هذه الجرائم، سواء كانوا قادة أو جهات أو أطرافاً إماراتية أو في دول الجوار التي انخرطت في العدوان الإماراتي الآثم على السودان. في هذا الصدد، نرحّب بالبيان الصادر عن البرلمان الأوروبي في الأسبوع الماضي والذي ندد صراحةً بدور الإمارات في تأجيج الحرب وتقويض الاستقرار. كما نطالب بأن تشمل التحقيقات المحرضين على ارتكاب الجرائم ضد المدنيين، واغتصاب النساء والفتيات أو كل من يبرر هذه الجرائم أو يدعم مرتكبيها، أياً كانت أماكن إقامتهم أو مواقعهم، وبعضهم يقيم في دول أوروبية، فالمساءلة الحقيقية لا تقتصر على المنفذين المباشرين، وإنما تشمل كذلك كل من أسهم في التخطيط أو إرسال المرتزقة الاجانب أو التمويل والتسهيل للعدوان.
ثالثاً:
انطلاقاً من اعتبار تحقيق العدالة في دارفور أولوية وطنية قصوى، تواصل حكومة السودان تعاونها مع المحكمة الجنائية الدولية في إطار قرار مجلس الأمن رقم 1593 ومذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين. في هذا الصدد، قام وفد برئاسة السيد النائب العام لجمهورية السودان، وعضوية كافة أعضاء المكتب الوطني لتنسيق الارتباط مع المحكمة الجنائية الدولية، بزيارة إلى مقر مكتب المدعي العام والمحكمة الجنائية الدولية خلال الفترة من 11 إلى 12 ديسمبر 2025، وقد عقد الوفد سلسلة من الاجتماعات المكثفة مع مختلف إدارات وأقسام مكتب الادعاء، جرى خلالها بحث التحديات القائمة ووضع المعالجات المناسبة لها، كما تم الاتفاق على برنامج عمل مفصل للمرحلة اللاحقة يلتزم السودان بتنفيذه، وخلال الفترة المشمولة بالتقرير، تلقى السودان أربع طلبات من مكتب الادعاء تم الرد عليها جميعاً دون تأخير، رغم أن بعضها يتعلق بوقائع وأحداث تقع في مناطق بدارفور يصعب حالياً وصول المؤسسات الوطنية المختصة إليها بسبب الظروف الأمنية. وفي إطار التعاون المستمر، قام المكتب الوطني لتنسيق الارتباط بترتيب زيارة لفريق من مكتب المدعي العام إلى السودان خلال الفترة من 27 مارس إلى 4 أبريل 2026، حيث أجرى الفريق زيارات إلى عدد من معسكرات النازحين، والتقى عدداً من الشهود والضحايا، كما تجري حالياً ترتيبات إضافية لإتاحة مقابلات أخرى مع شهود ذوي صلة بالتحقيقات.
رابعاً:
على الرغم من مرور أكثر من عامين على مجزرة الجنينة، وأكثر من ثمانية أشهر على الجرائم واسعة النطاق التي ارتكبت في الفاشر، ورغم توافر الشهادات والأدلة والوقائع الموثقة، فإن المحكمة الجنائية الدولية لم تصدر حتى الآن أوامر قبض بحق المشتبه في مسؤوليتهم عن هذه الجرائم. إن هذا التأخير يثير قلقاً بالغاً ويبعث برسالة سلبية إلى الضحايا وذويهم، كما يعزز شعور الجناة بإمكانية الإفلات من العقاب، الأمر الذي يشجع على استمرار ارتكاب المزيد من الانتهاكات والفظائع، ذلك أنه إذا تم اتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة بالسرعة التي أعلنت عنها المحكمة سابقاً أمام هذا المجلس، لكان من الممكن أن تشكل تلك الإجراءات رادعاً فعالاً يحول دون تكرار الجرائم في مناطق أخرى من السودان.
السيد الرئيس،
ختاماً، يؤكد السودان مجدداً التزامه الكامل بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في إطار قرار مجلس الأمن رقم 1593 ومذكرة التفاهم الموقعة بين السودان والمحكمة في عام 2021. وإذ تواصل حكومة السودان الوفاء بالتزاماتها وتقديم ما يُطلب منها من تعاون ومعلومات وتسهيلات دعماً لمسار العدالة وإنصافاً للضحايا، فإنها تتطلع إلى أن يقابل ذلك تحركٌ جاد وفعّال من جانب مكتب المدعي العام والمحكمة، يترجم فترات التحقيق الطويلة إلى إجراءات قانونية ملموسة بحق المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في دارفور. إن العدالة المتأخرة لا تحقق الغاية المرجوة منها، بل قد تؤدي إلى تشجيع مرتكبي الجرائم وداعميهم على المضي في ارتكاب المزيد من الفظائع بحق المدنيين الأبرياء. ومن ثم، فإن تسريع إجراءات المساءلة وإصدار أوامر القبض بحق المسؤولين عن هذه الجرائم بات أمراً ضرورياً وملحاً خدمةً للعدالة وحمايةً للمدنيين وصوناً لمصداقية المحكمة الجنائية الدولية، وهي مصداقية تواجه اختباراً الآن.
(فقرة خارج النص الأصلي للرد على ممثل الولايات المتحدة) من المثير للدهشة أن يكرر ممثل الولايات المتحدة المزاعم حول استخدام الجيش السوداني للسلاح الكيميائي. نود الإشارة إلى ان حكومة الولايات المتحدة فشلت في أن تقدم أي دليل على هذا الادعاء، لا إلى سفارتنا في واشنطن ولا إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي والتي يتمتع كل من السودان والولايات المتحدة بعضوية مكتبها التنفيذي، ولعله من المفيد أن نشير إلى أن للولايات المتحدة سجلاً في مثل هذا النوع من المزاعم، فقد قامت الحكومة الأميركية في العام 1998 بتدمير مصنع للدواء في السودان بحجة انتاجه للسلاح الكيمياوي، وهو الأمر الذي ثبت خطأه، وقد قامت الحكومة الأمريكية لاحقاً بدفع تعويض مالي لمالك المصنع، كما لا ينسى أعضاء المجلس بأن وزيراً سابقاً للخارجية الأمريكية صرّح بمنتهى الثقة أمام هذا المجلس بأن إحدى الدول تمتلك أسلحة للدمار الشامل ، وقد استخدمت تلك الحجة لغزو تلك البلاد قبل أن يتضح عدم صحة تلك المزاعم بعد فوات الأوان.
عليه، يحث السودان على التعامل مع أي ادعاءات مثل هذه بأقصى درجات المسئولية والموضوعية، وينبغي لمجلس الأمن ان يظل مسترشداً بالحقائق والمعلومات الموثوقة، لا بالادعاءات التي تفتقر للسند والأدلة.
وشكراً السيد الرئيس.
تسامح نيوز
