الرؤية نيوز

من التهديد إلى التسليح: ماذا حدث خلف الأبواب المغلقة بين أمريكا ونيجيريا؟

0 0

متابعة/الرؤية نيوز
في تطور يعكس تحوّلاً لافتاً في مسار العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة ونيجيريا، أرسلت واشنطن شحنة أسلحة ومعدات عسكرية تقدر قيمتها بنحو 346 مليون دولار إلى أبوجا، عبر طائرات النقل الاستراتيجي الأميركية «C-17»، في خطوة تأتي وسط إعادة ترتيب أولويات التعاون الأمني بين البلدين.
وبحسب المعطيات المتداولة، تتضمن الصفقة ذخائر موجهة بدقة وقنابل تكتيكية مخصصة لدعم أسطول الطائرات الهجومية النيجيرية من طراز «سوبر توكانو»، بما يعزز قدرات القوات النيجيرية في تنفيذ عمليات جوية ضد الجماعات المسلحة والنشاطات المتطرفة التي تواجهها البلاد، ولا سيما في المناطق الشمالية.
وتأتي هذه الخطوة بعد أسابيع من توتر سياسي بين واشنطن وأبوجا، على خلفية ضغوط أميركية مرتبطة بملف حماية الأقليات وحقوق الإنسان في نيجيريا. وكانت تلك الضغوط قد أثارت نقاشاً واسعاً بشأن مستقبل التعاون العسكري بين البلدين، ومدى قدرة الحكومة النيجيرية على الموازنة بين متطلبات الأمن الداخلي والالتزامات المرتبطة بالحريات الدينية والحقوق المدنية.
غير أن مسار العلاقة شهد لاحقاً انتقالاً من مرحلة الضغط السياسي المشروط إلى توسيع التعاون الأمني والميداني، مع التوصل إلى تفاهمات بشأن تعزيز التنسيق بين الجانبين، بما في ذلك التعاون في مجالات التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

من الضغط السياسي إلى الشراكة الأمنية

ويشير هذا التحول إلى أن واشنطن باتت تنظر إلى نيجيريا باعتبارها شريكاً أمنياً رئيسياً في غرب أفريقيا، في ظل اتساع التحديات التي تواجه المنطقة، من تمدد الجماعات المسلحة إلى تنامي شبكات الجريمة المنظمة والإرهاب العابر للحدود.
وتكتسب نيجيريا أهمية خاصة في الحسابات الأميركية بالنظر إلى ثقلها الديموغرافي والاقتصادي والعسكري، فضلاً عن موقعها المؤثر داخل منطقة غرب أفريقيا وقدرتها على التأثير في الملفات الأمنية الإقليمية.
ويرى مراقبون أن تعزيز التعاون العسكري قد يعكس رغبة أميركية في الحفاظ على موطئ قدم استراتيجي في المنطقة في مواجهة تنامي الحضور الروسي والصيني في أفريقيا، حيث كثفت موسكو وبكين خلال السنوات الأخيرة تحركاتهما السياسية والأمنية والاقتصادية في عدد من دول القارة.
وفي هذا السياق، لا تنظر واشنطن إلى الدعم العسكري لنيجيريا باعتباره مجرد صفقة تسليح، وإنما كجزء من علاقة أوسع تتداخل فيها مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريب العسكري، وتعزيز قدرة الشركاء المحليين على التعامل مع التهديدات الأمنية.

نيجيريا بين الاستفادة من الدعم وتخفيف الضغوط

أما بالنسبة إلى أبوجا، فإن توسيع التعاون مع الولايات المتحدة يوفر للحكومة النيجيرية فرصة لتعزيز قدراتها العسكرية، خصوصاً في ظل استمرار التحديات الأمنية التي تستنزف القوات المسلحة على أكثر من جبهة.
كما يمكن للحكومة النيجيرية توظيف الشراكة الأمنية الجديدة في إدارة علاقتها السياسية مع واشنطن، بحيث تتحول الملفات الأمنية إلى مساحة للتعاون بدلاً من أن تبقى العلاقة محكومة بالخلافات المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات الدينية.
ومع ذلك، فإن هذا المسار لا يلغي التباينات القائمة بين الطرفين. فملفات حقوق الإنسان والمساءلة وحماية المدنيين ستظل عوامل مؤثرة في مستقبل العلاقات الأميركية النيجيرية، لا سيما إذا ارتبط استخدام الأسلحة الأميركية بعمليات عسكرية تثير انتقادات دولية.

شراكة استراتيجية أم تفاهم تكتيكي؟

ويطرح التطور الأخير تساؤلات بشأن مدى استدامة التحول في السياسة الأميركية تجاه نيجيريا. فبينما يبدو التعاون الأمني المتزايد متوافقاً مع المصالح المشتركة للطرفين، فإن استمرار هذا المسار سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بالأولويات السياسية في واشنطن.
وقد تؤدي أي تغييرات في الإدارة الأميركية أو في توجهاتها تجاه أفريقيا وملفات حقوق الإنسان والأمن الدولي إلى إعادة تقييم طبيعة العلاقة، خصوصاً أن السياسة الأميركية تجاه القارة شهدت في مراحل مختلفة تذبذباً بين التركيز على القضايا الحقوقية والانخراط الأمني المباشر.
وعليه، تبدو الصفقة الجديدة جزءاً من إعادة تموضع أوسع في العلاقة الأميركية النيجيرية؛ إذ تنتقل واشنطن تدريجياً من سياسة الضغط المرتبط بشروط سياسية وحقوقية إلى مقاربة تقوم على المصالح الأمنية المشتركة والشراكة الوظيفية.
وفي المقابل، تحاول نيجيريا الاستفادة من هذا التحول لتعزيز قدراتها العسكرية والحصول على دعم استخباراتي وتدريبي، مع الحفاظ على هامش من الاستقلال في إدارة ملفاتها الداخلية.
وبينما تعكس شحنة الأسلحة البالغة قيمتها 346 مليون دولار عمق الرهان الأميركي على نيجيريا كشريك أمني في غرب أفريقيا، فإن مستقبل هذا المحور سيبقى رهناً بقدرة الطرفين على تحقيق توازن بين المصالح الأمنية، والاعتبارات السياسية، وملفات حقوق الإنسان، فضلاً عن اتجاهات التنافس الدولي المتزايد على النفوذ في القارة الأفريقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.