الرؤية نيوز

عثمان ميرغني يكتب : مادورو.. لا تقلب السمكة

0 49

متابعة ـ الرؤية نيوز

مثل شعبي سوداني يُترجم إلى الفصحى: «الضيف لا يقلب السمكة»، ونصه الأصلي بالعامية: «الما دافع في الشيل.. ما يقلب السمكة». والشرح أن من يُدعى لوجبة سمك لا يحق له، بعد أن يأكل جانبًا من السمكة، أن يقلبها ليأكل الجانب الآخر.. حسب البروتوكول المتعارف عليه.

سبق لي أن كتبت مرات عديدة أن الخطوة الأولى في تحليل أي مشهد سياسي هي حذف الدراما أولاً، ثم النظر إلى الموضوع بعينٍ مجردة من تأثيرات الأحداث الدرامية.

عملية اختطاف واعتقال نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، كانت فيلماً درامياً مثيراً: كيف تمكنت قوة دلتا الأمريكية من اختراق الدفاعات الجوية والحراسات، واقتحام القصر الرئاسي ثم غرفة نوم الرئيس، واقتياده مع زوجته إلى حاملة طائرات، لتنتهي الرحلة في سجن بنيويورك؟

ولمزيد من التشويق، بثت أمريكا لقطات من العملية في مراحلها المختلفة، حتى وصول طائرة مادورو إلى المطار ومشهد اقتياده مكبلًا يخطو ببطء بين أفراد القوة الأمريكية. كل هذا مُرسوم بدقة لإيصال الرسائل الإعلامية والإيحائية المطلوبة، مع الضغط الشديد على الأكتاف للتنبيه إلى قدرة الولايات المتحدة ليس فقط على الوصول إلى أي مكان، بل وعلى تخطي القانون الدولي وفرض الأمر الواقع.

بعيدًا عن الدراما والإثارة والتشويق.. الصورة مختلفة تمامًا.
صحيح أن ما فعلته أمريكا – من المنطق السياسي والقانوني – هو خرق صارخ للقانون الدولي والأعراف السياسية، وانتهاك لأعظم ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة من سيادة الدول الأعضاء.

لكن في المقابل هناك صورة أخرى تُفهم ولا تُنطق، ولا تنص عليها القوانين ولا الأعراف.. صورة تبنى على القاعدة الشعبية التي بدأت بها هذا الحديث: نظرية «الضيف لا يقلب السمكة».

العالم الذي نعيش فيه – الكرة الأرضية – يعتمد على معادلة وجودية ثابتة: بشر يستهلكون موارد العالم، ويعتمد بقاؤهم على استمرارية هذه الموارد.

حوالي سبعة مليارات من البشر هم ركاب هذا الكوكب. ولضمان سلامتهم وعيشهم فيه بأفضل حال، هناك قائمة مطلوبات وشروط يجب تحقيقها.

مسؤولية هؤلاء السبعة مليارات متساوية في الحفاظ على مقومات الحياة على الكرة الأرضية.
فإذا اختار جزء من البشر أن يعيشوا على الأرض بصفة «الضيوف» – بمعنى أن تتضاءل مساهمتهم في توفير مقومات الحياة إلى أدنى درجة – فمن العدل ألا يتساوى من يعمل ويجتهد وينجح في توفير أفضل هذه المقومات، لا لنفسه فحسب، بل لبقية البشر على الكوكب.

بإسقاط هذا المنطق على الدول، ينشأ سؤال: كم تساهم كل دولة في العالم في دفع تكلفة بقاء البشر على قيد الحياة في كوكب الأرض؟
المعادلة واضحة: هناك دول تعمل وتبتكر وتخترع وتنتج، وأخرى تعيش كضيوف على الكرة الأرضية، لا تعمل ولا تفكر ولا تخترع ولا تنتج، بل تتسول من الآخرين حتى لقمة العيش الحافة من ذرة أو قمح.

بالتأكيد ليس من حق أي دولة تعيش كضيف أن «تقلب السمكة».. طالما رضيت بالخمول وعطالة الذهن والعمل.
حتى عهد قريب، كانت الولايات المتحدة تحتكر المركز الأول في عدد براءات الاختراع. لكن العام الماضي قفزت الصين إلى المركز الأول، تليها الولايات المتحدة، ثم اليابان، فكوريا الجنوبية، وفي المرتبة الخامسة الاتحاد الأوروبي.

هذه الدول هي الأعلى اجتهادًا في حل مشاكلنا على كوكب الأرض لنعيش في أفضل وضع: تكتشف الأدوية لعلاج الأمراض المستعصية، تنتج الدواء والمعدات الطبية، تخترع أنظمة الاتصالات والإنترنت لنتمتع بالتواصل والمعلومات، تخترع سبل النقل المتطورة – خاصة الطائرات التي تتوفر لها كل عام سلامة ومزايا راحة أكثر – وتصنع آليات الزراعة والري والتعليم والترفيه وغيرها.

بينما دولنا المجيدة لا تقدم شيئًا سوى استهلاك ما تقدمه تلك الدول من منتجات. وبدلًا من أن نوفر لها ولشعوبها الغذاء – كوننا نملك الأرض الخصبة والماء – نتسول منها الطعام، وننتظر منها أيضًا أن تراعي فقرنا وتساعدنا في برامج الضمان الاجتماعي.

نحن لسنا مجرد ضيوف.. بل ضيوف ثقال، كسالى، كثيرو الكلام والصخب والضجر. فأنى لنا أن «نقلب السمكة»؟
عندما يُتهدد أمن دولة مانحة مثل أمريكا، فبالضرورة لن تكون الحسابات ذاتها لدولة أخرى ممنوحة، كسولة، خاملة.
معادلة لا يمكن إصلاحها إلا وفق منطق المساهمة في دفع ثمن تذكرة البقاء على الكرة الأرضية.

الصين في يوم من الأيام كانت دولة ثقيلة على الكرة الأرضية بحمولة بشرية مليارية، ولم تستطع حتى الحصول على اعتراف دولي بها.

لكنها – بدلًا من التضجر والشكوى – تعلمت واجتهدت، ودفعت ثمن تذكرة امتطاء ظهر الكرة الأرضية، وتقدمت بسرعة لتشغل المركز الأول في كثير من المجالات. فالمحصلة أنها صارت من أعضاء نادي الذين يمكنهم «أن يقلبوا السمكة». لا تستطيع أمريكا أن تقتحم قصرًا رئاسيًا في الصين لاعتقال أحد. بل عندما عرضت أمريكا على الصين استضافة رحلاتها الفضائية على متن محطتها الفضائية، قبلت الصين ذلك مرة، ثم صنعت لنفسها محطة أخرى، وتنافس أمريكا في غزو الفضاء.

أمريكا حجبت صناعة أشباه الموصلات المتطورة عن الصين، وقالت التقارير الأمريكية إن الصين تحتاج إلى عشر سنوات لتسد الفجوة التكنولوجية. لكن المفاجأة كانت أن الصين أنجزت المستحيل في عامين فقط.. وعلى قدر أهل العزم تُؤتى العزائم.

التيار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.