عثمان ميرغني يكتب: ساديو ماني .. و عمر البشير
ختام نهائي كأس أمم إفريقيا بين منتخبي المغرب والسنغال كان مشهداً استثنائياً ومثيراً للجدل: انسحاب لاعبي السنغال احتجاجاً على احتساب ركلة جزاء قاتلة في اللحظات الأخيرة، ثم عودتهم إلى أرض الملعب بفضل تدخل قائدهم ساديو ماني الذي رفض الانسحاب، وقاد زملاءه لاستكمال المباراة، لتنقلب النتيجة في النهاية ويتوج السنغال باللقب.كثيرون أشادوا بتصرف ماني، واعتبروه نموذجاً للذكاء والحكمة، لما كان سيترتب على الانسحاب من عقوبات وعواقب وخيمة على الفريق واللاعبين والجماهير. لكن – في تقديري – زاوية النظر ينبغي أن تتجه إلى بعد أعمق.عندما اتخذ ماني قراره بالبقاء وإعادة زملائه، لم يكن يعلم النتيجة المستقبلية. كان الأرجح – بل المؤكد تقريباً في نظر الجميع – أن تسجل ركلة الجزاء هدفاً ينهي المباراة ويمنح المغرب اللقب. وفي هذه الحالة، كان سيتحمل القائد مسؤولية كارثية جماهيرية وتاريخية: أن يكون قراره سبباً مباشراً في خسارة البطولة.ومع ذلك، اختار ماني الطريق الأصعب والأكثر مخاطرة وألماً في حال الفشل.هذا يعني أن قراره لم يُبنَ على حسابات الربح والخسارة اللحظية، بل على منطق أخلاقي متكامل لا يقبل التجزئة. الانسحاب قرار غير قانوني وغير أخلاقي. قواعد اللعبة تقوم على مبدأ أساسي: الحكم هو صاحب القرار الأعلى، وقراره نهائي. لو فُتح الباب للاعتراض بالانسحاب كلما شعر فريق بالظلم، لما اكتملت أي بطولة؛ فكل فريق يعتقد أنه «مظلوم» سيجد في الانسحاب وسيلة لإفساد فوز الخصم.اختار قائد السنغال أن يقف على أرضية المبادئ، دون حساب للمكاسب الفردية أو الجماعية المباشرة. رفع صوت القيم فوق صخب الجماهير وضجيج اللحظة.لو اتّبع كل قائد سياسي هذا النهج ذاته – أن يُعلي القيم الأخلاقية فوق أي مكاسب محتملة – لكان العائد على الأمة والوطن أعظم بكثير من كل مخاوف الخسارة المؤقتة. والعكس صحيح تماماً: عندما تُبنى القرارات على حسابات ضيقة للفوز الشخصي أو الحزبي، تكون النتائج دائماً وخيمة، بل كارثية.نستحضر هنا مسار السودان منذ ليلة الجمعة ٢٢ فبراير ٢٠١٩، عندما ألقى الرئيس السابق عمر البشير خطابه الشهير أمام حشد كبير في حديقة القصر الجمهوري. كان المتوقع – حسب تصريحات سابقة لمدير جهاز الأمن آنذاك صلاح «قوش» – أن يعلن قرارات تفكك نظام الإنقاذ وتنهي الدكتاتورية بمسار سلمي.لكنه في لحظة الحاسمة اختار مصالحه الشخصية فوق أي اعتبار وطني أو أخلاقي. وكانت النتيجة أنه وجد نفسه، بعد أقل من شهرين فقط، خلف قضبان سجن كوبر.تخيّلوا لو اختار في تلك اللحظة مصلحة الوطن، وانحاز لموقف أخلاقي كما فعل الكابتن ماني.. ربما لتغيّر تاريخ السودان كلياً.ثم انظروا لما تلاها من أحداث حتى اليوم: كل الكوارث الكبرى التي مرت بها البلاد جاءت من رحم الاختيار الخاطئ بين المصلحة الذاتية الضيقة والموقف الأخلاقي الشامل.في النهاية، يبقى سؤال ماني حاضراً في كل لحظة مصيرية:هل نختار الطريق الأسهل الآن.. أم الطريق الصحيح، مهما كان الثمن؟كل الكوارث أتت من رحم الاختيار الخاطيء بين المصلحة الذاتية الضيقة، و المواقف الأخلاقية.
