الرؤية نيوز

السلام يعود إلى الواجهة في خطاب قادة السودان خلال العيد

0 29

في بلد أنهكته الحرب ودفعت مجتمعاته إلى حدود الإنهاك، جاءت خطابات عيد الأضحى هذا العام لتكشف تحولاً لافتاً في لغة طرفي القتال، حيث بدت مفردات السلام والاستقرار وعودة النازحين أكثر حضوراً من شعارات الحسم العسكري التي طبعت الخطاب الرسمي منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023، في إشارة إلى أن الضغوط الإنسانية والإقليمية والدولية بدأت تترك أثرها على لغة الحرب التي طال أمدها. هذا التحول، وإن بدا محدوداً، يعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار القتال لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار، وأن السودانيين يحتاجون إلى ما هو أبعد من الوعود العسكرية، إلى رؤية تعيد لهم شيئاً من الأمان المفقود.

وجاءت هذه الرسائل بعد يوم واحد من كلمة رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، التي تحدث فيها عن الانفتاح على السلام، في خطوة اعتبرها مراقبون تحولاً نسبياً في خطاب ظل طوال أشهر يقوم على التعبئة العسكرية. ففي صلاة العيد بمدينة المتمة، أعرب البرهان عن أمله في أن “تنعم البلاد بمزيد من الأمن والاستقرار والازدهار”، وهي لغة أقل حدة من خطاباته السابقة، رغم تمسكه بحديث “تطهير كامل أراضي البلاد من التمرد”. ويشير هذا التوازن بين لغة الحرب ولغة الطمأنة إلى محاولة لإعادة صياغة الخطاب الرسمي بما يتناسب مع الضغوط المتزايدة على المؤسسة العسكرية، سواء من الداخل أو من الخارج.


وفي السياق ذاته، بدا خطاب رئيس هيئة الأركان ياسر العطا أكثر ميلاً إلى التهدئة، إذ ركز على تطلعات السودانيين إلى “الأمن والأمان والاستقرار”، موجهاً تهانيه إلى المواطنين واللاجئين، ومعبراً عن أمله في “عودة عاجلة إلى الوطن”. ورغم إشادته بالقوات المسلحة، تجنب العطا إطلاق تهديدات مباشرة أو استخدام لغة تصعيدية، مكتفياً بالإشارة إلى أن “النصر بات قريباً”، في صياغة تحمل قدراً من الغموض لكنها تبتعد عن نبرة المواجهة التي ميزت خطاباته السابقة.

أما شمس الدين كباشي، عضو مجلس السيادة ومستشار القائد العام، فقد اكتفى بتبادل التهاني مع المصلين في إحدى ثكنات الجيش بأم درمان، من دون الإدلاء بأي تصريحات سياسية أو عسكرية، في خطوة بدت مختلفة عن خطابه المعتاد الذي اتسم بحدة تجاه قوات الدعم السريع. ويعكس هذا الصمت الرسمي رغبة واضحة في تجنب التصعيد خلال مناسبة دينية يفترض أن تحمل رسائل تهدئة، أو ربما يعكس إدراكاً بأن الخطاب العسكري لم يعد يجد صدى واسعاً لدى جمهور أنهكته الحرب.

على الجانب الآخر، خصص قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) خطابه المطول للحديث عن “السلام والعدالة والمواطنة المتساوية”، مؤكداً أن مستقبل السودان يجب أن يقوم على “دولة تتسع للجميع”. ورغم وصفه الحرب بأنها “معركة تاريخية” بين مشروعين متناقضين، نفى حميدتي أن يكون الصراع “صراعاً على السلطة”، مشدداً على أن قواته تسعى إلى “بناء دولة المواطنة المتساوية”. ودعا إلى إعادة تأسيس الجيش على “أسس مهنية وقومية جديدة”، بعيداً عن “التسييس”، في خطاب يعكس محاولة لتقديم نفسه كطرف قادر على قيادة مشروع سياسي جديد، وليس مجرد قائد عسكري في نزاع مفتوح.

كما شدد حميدتي على رفض “العنصرية والقبلية والتهميش”، وتعهد بالعمل على توفير الغذاء والدواء والخدمات الأساسية للمتضررين، داعياً المجتمع الدولي ودول الجوار إلى دعم ما وصفه بـ“المشروع الوطني الجديد”. ورغم استمرار الاتهامات المتبادلة بين الجيش والدعم السريع بشأن الانتهاكات، فإن لغة حميدتي بدت أقل حدة من خطاباته السابقة، وأكثر ميلاً إلى تقديم رؤية سياسية تتجاوز حدود المعركة العسكرية.

ويأتي هذا التحول في الخطاب في وقت تتعاظم فيه المخاوف من اتساع رقعة الأزمة الإنسانية، مع مقتل آلاف المدنيين ونزوح ملايين آخرين داخل السودان وخارجه، وسط تحذيرات أممية من خطر المجاعة وانهيار الخدمات الأساسية. وفي ظل هذا الواقع، تبدو لغة التهدئة التي حملتها خطابات العيد محاولة للاستجابة لضغوط داخلية وخارجية، أكثر من كونها تحولاً جذرياً في مواقف الأطراف المتحاربة.

ومع ذلك، فإن هذا التغير النسبي في الخطاب لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي الذي يدفع نحو تسوية سياسية، ولا عن الضغوط المتزايدة على الطرفين لإظهار استعداد مبدئي للانخراط في مسار تفاوضي. فالمجتمع الدولي، الذي يبحث عن شريك قادر على وقف النزيف، يراقب عن كثب أي تحول في لغة الأطراف، بينما يدرك السودانيون أن أي حديث عن السلام لن يكون ذا معنى ما لم يُترجم إلى خطوات عملية توقف القتال وتعيد النازحين إلى ديارهم.

وفي النهاية، تكشف خطابات العيد هذا العام عن لحظة سياسية دقيقة، تتراجع فيها لغة البنادق قليلاً لصالح مفردات السلام، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الحرب تقترب من نهايتها. لكنها لحظة تشير إلى أن الأطراف المتحاربة بدأت تدرك أن استمرار النزاع يهدد بتمزيق ما تبقى من الدولة، وأن السودانيين، الذين دفعوا الثمن الأكبر، ينتظرون ما هو أبعد من الكلمات: ينتظرون سلاماً حقيقياً يعيد إليهم ما فقدوه.

الراكوبة نيوز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.