الحج يتحول إلى ساحة سياسية..دعاء السافانا يثير موجة غضب واسعة في السودان
متابعة/الرؤية نيوز
ظهور السافانا في الحج… بين رمزية التوبة وأسئلة العدالة في حرب تمزّق السودان.
في بلد تتداخل فيه الذاكرة المثقلة بالعنف مع حاضر لا يزال ينزف، جاء ظهور علي رزق الله، المعروف باسم “سافانا”، في مكة المكرمة وهو يؤدي مناسك الحج، ليعيد فتح نقاش واسع حول معنى التوبة في زمن الحرب، وحول المسافة الشاسعة بين الطقوس الروحية وحقوق الضحايا التي لم تجد طريقها بعد إلى العدالة. فالمشهد، الذي التقطته كاميرات الجزيرة وأعاد موقع “ميدل إيست آي” نشره، لم يكن مجرد لحظة دينية عابرة، بل حدث سياسي بامتياز، يحمل في طياته رمزية ثقيلة في سياق صراع دموي تتداخل فيه الولاءات والانشقاقات والاتهامات بارتكاب جرائم إبادة.
وظهر رزق الله عند الكعبة المشرفة، واضعًا يديه على كسوتها السوداء، وهو يدعو للسودان بأن “يتوقف نزيف الدم” وأن “يوحّد الله الصفوف”، في خطاب بدا أقرب إلى محاولة لإعادة صياغة صورته العامة، بعد أقل من ثلاثة أسابيع على انشقاقه عن قوات الدعم السريع، القوة شبه العسكرية المتهمة بارتكاب انتهاكات واسعة في دارفور وغرب كردفان. وقد حمل الدعاء رسائل سياسية واضحة، في لحظة يتداخل فيها الدين مع الحرب، والروحاني مع الحسابات العسكرية.
لكن ردود الفعل التي أثارها المقطع كشفت حجم الانقسام في الرأي العام السوداني. فبينما رأى البعض في ظهوره “لحظة مراجعة”، اعتبر آخرون أن أداء المناسك لا يمحو مسؤولية الانتهاكات، ولا يسقط حقوق الضحايا. وكتبت الصحفية صباح أحمد تعليقًا لافتًا: “حقوقنا عندك لم تُغفر”، في جملة تختصر شعورًا عامًا بأن العدالة لا يمكن أن تُستبدل بالرمزية، وأن الطريق إلى المصالحة يمر عبر الاعتراف والمحاسبة، لا عبر التعلق بأستار الكعبة.
ويأتي هذا الجدل في سياق مسار معقد لرجل لعب أدوارًا متناقضة خلال السنوات الماضية. فقد كان رزق الله قائدًا ميدانيًا مؤثرًا داخل قوات الدعم السريع، وقاد عمليات ساهمت في سيطرة القوة على مناطق استراتيجية في شمال دارفور وغرب كردفان، كما نُسبت إليه أدوار في تجنيد مقاتلين أجانب من تشاد والنيجر. لكن مسيرته العسكرية تعود إلى ما قبل الحرب الحالية، حين كان قائدًا في إحدى الحركات المسلحة قبل دمجه في الجيش السوداني برتبة عميد بموجب اتفاق سلام عام 2013، وهي رتبة فقدها لاحقًا بعد قرار محكمة عسكرية عام 2021.
ومع اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023، التحق “السافانا” بالقوة شبه العسكرية، قبل أن يعلن انشقاقه عنها في 11 مايو، ثم يظهر بعد أربعة أيام في الخرطوم معلنًا عزمه القتال ضد رفاقه السابقين إلى جانب الجيش. وفي مؤتمر صحفي، قال إن انضمامه للدعم السريع كان “بدافع الضرورة والحماية الشخصية”، مؤكدًا أن أسرته كانت “من ضحايا الميليشيا مثل بقية السودانيين”، وأنه مستعد للمثول أمام القانون.
وتضمن المؤتمر اتهامات خطيرة وجهها رزق الله لقوات الدعم السريع، من بينها تنفيذ عمليات تصفية داخلية بحق قادة ميدانيين، ووضع شخصيات بارزة تحت الإقامة الجبرية، إضافة إلى استمرار تدفق الأسلحة إلى دارفور. وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه التقارير الدولية التي تتحدث عن دعم خارجي للقوة شبه العسكرية، وعن تورطها في انتهاكات تحمل “سمات الإبادة الجماعية”، وفق خبراء الأمم المتحدة.
ويُعد “السافانا” رابع قائد كبير يغير ولاءه منذ أكتوبر 2024، بعد أبو عاقلة كيكل، واللواء النور أحمد آدم “القبة”، وبشارة الهويرة، في مؤشر على ضغوط داخلية متزايدة داخل بنية الدعم السريع. وقد فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على أربعة من قادتها، بينما اتهمت الولايات المتحدة القوة رسميًا بارتكاب إبادة جماعية، وفرضت عقوبات على قائدها محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
وتأتي هذه التطورات في ظل حرب خلّفت واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، مع مقتل الآلاف ونزوح ما يقارب 13 مليون شخص، ودفع أكثر من 40% من السكان إلى مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. وفي هذا السياق، يصبح ظهور “سافانا” في الحج أكثر من مجرد حدث فردي؛ إنه مرآة تعكس تعقيدات الحرب السودانية، حيث تختلط التوبة بالسياسة، والانشقاق بالنجاة، والدين بالعدالة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه كثير من السودانيين: هل يمكن للطقوس الروحية أن تفتح بابًا للمراجعة والمحاسبة، أم أنها تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج سرديات جديدة في حرب لم تتوقف بعد؟ وبين الدعاء عند الكعبة وحقوق الضحايا التي لم تُسترد، يظل مستقبل العدالة الانتقالية في السودان معلقًا بين الذاكرة والواقع، وبين ما يطلبه الناس وما تسمح به موازين القوة.
