الرؤية نيوز

أزمة جديدة بشرق السودان.. دعوات لمحاسبة وزير الداخلية على خلفية تصريحات مثيرة

0 66

تصاعد التوتر القبلي في كسلا يكشف هشاشة السلم الاجتماعي وغياب الدولة عن إدارة التنوع

في لحظة تتجدد فيها الأسئلة حول قدرة الدولة السودانية على إدارة التنوع الاجتماعي وحماية السلم الأهلي، جاءت التوترات التي شهدتها مدينة كسلا هذا الأسبوع لتذكّر بأن جذور الأزمة ليست محصورة في الحرب الدائرة فحسب، بل تمتد إلى بنية اجتماعية هشة تتعرض باستمرار للاهتزاز كلما غابت الدولة عن دورها في ضبط الخطاب العام ومنع الانزلاق نحو العنف. فالتصريحات التي أدلى بها ناظر الهدندوة، سيد محمد الأمين ترك، لم تكن مجرد كلمات عابرة في مناسبة عامة، بل شرارة أعادت فتح جراح قديمة في منطقة لطالما عانت من النزاعات القبلية وتسييس الهويات.


وتعود بداية التوتر إلى خطاب ألقاه الناظر ترك بحضور وزير الداخلية الفريق بابكر سُمرة ووالي كسلا الصادق الأزرق، دعا فيه إلى ترسيم الحدود بين القبائل وتجديد اتفاق القلد الموقع سابقاً في ولاية البحر الأحمر، إضافة إلى مطالبته بتحديد مكونات البجا وحدود قبيلته مع القبائل الأخرى. ورغم أن هذه المطالب ليست جديدة في سياق شرق السودان، فإن توقيتها وطريقة طرحها أثارا ردود فعل واسعة، خاصة في ظل حضور مسؤولين حكوميين رفيعين لم يتدخلوا لوقف ما اعتبرته أطراف عديدة خطاباً ذا طابع قبلي وتحريضياً.

وفي اليوم التالي، ردّت نظارة البني عامر بمؤتمر صحفي طالبت فيه رئيس مجلس السيادة بمحاسبة وزير الداخلية وإقالته إذا لزم الأمر، معتبرة أن صمته على ما وصفته بالإساءات يمثل انحيازاً لطرف على حساب آخر. واتهمت والي الولاية بالتقاعس عن مواجهة خطاب الكراهية، بل وبمنح غطاء سياسي لمن يروّج له، في إشارة إلى أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف بين نظارتين، بل باتت مرتبطة بأداء السلطة المحلية وقدرتها على إدارة التوترات.

ورغم حدة التصريحات، رحبت نظارة البني عامر بمبدأ ترسيم الحدود ومراجعة الهوية، لكنها أشارت إلى خرق الاتفاقات السابقة التي جرى التوصل إليها بمبادرة أبناء البجا في الخدمة العامة، ما يعكس شعوراً متزايداً بأن الالتزامات السياسية والإدارية لا تُحترم، وأن غياب المتابعة الرسمية يترك المجال مفتوحاً لعودة التوترات.

وتأتي هذه التطورات في سياق تاريخي معقد، إذ شهدت ولايات شرق السودان خلال عامي 2019 و2020 اشتباكات قبلية دامية أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى، ما دفع 11 نظارة وكياناً مجتمعياً في أكتوبر 2023 إلى التوقيع على اتفاق يهدف إلى نبذ خطاب الكراهية والالتزام بالقلد وعقد مؤتمر جامع لشرق السودان. غير أن الأحداث الأخيرة تشير إلى أن هذا الاتفاق لم ينجح في معالجة جذور الأزمة، وأن التوترات لا تزال قابلة للاشتعال عند أول احتكاك.

وفي خضم هذا التصعيد، أعلن الناظر ترك عزمه عقد مؤتمر صحفي للرد على ما ورد في مؤتمر البني عامر، في خطوة قد تزيد من حدة الاستقطاب إذا لم تُدار بحكمة. وفي المقابل، دعت الصحفية عازة إيرا إلى تدخل عاجل من حكماء شرق السودان والقيادات الأهلية ذات الوزن التاريخي، معتبرة أن ما يجري يمثل “احتقاناً خطيراً” يتطلب موقفاً واضحاً يرفض خطاب الكراهية ويمنع تسييس الإدارة الأهلية. وانتقدت مشاركة وزير الداخلية في اللقاء، ووصفتها بأنها سوء تقدير لطبيعة المنبر وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات على السلم الاجتماعي، مشيرة إلى أن انتشار خطاب الكراهية وسط صمت الأجهزة الأمنية قد يُفهم على أنه إقرار ضمني أو تواطؤ.

وتكشف هذه التطورات عن أزمة أعمق تتجاوز التصريحات المتبادلة، إذ تعكس غياباً واضحاً لدور الدولة في ضبط الخطاب العام، وتراجعاً في قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة التنوع القبلي في منطقة شديدة الحساسية. كما تشير إلى أن تسييس الإدارة الأهلية، الذي تصاعد خلال السنوات الماضية، بات يشكل خطراً مباشراً على السلم الاجتماعي، خاصة في ظل الحرب التي تعصف بالبلاد وتضعف مؤسساتها.

وفي النهاية، تبدو كسلا اليوم نموذجاً مصغراً لأزمة وطنية أكبر: دولة منشغلة بالحرب، ومجتمع محاصر بالاستقطاب، ونخب أهلية وسياسية تتصارع على النفوذ في فراغ إداري وأمني. وما لم تُتخذ خطوات عاجلة لاحتواء التوتر، فإن المنطقة قد تعود إلى دائرة العنف التي شهدتها في السنوات الماضية، في وقت لا يحتمل فيه السودان مزيداً من النزاعات.

الراكوبة نيوز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.