الرؤية نيوز

56 طناً تختفي بين المناجم والصادر.. من يملك ذهب السودان الغائب؟

0 0

متابعة/الرؤية نيوز
عاد ملف حوكمة الذهب السوداني إلى الواجهة مجدداً، مع تجدد التواصل بين السودان ومجلس الذهب الغاني (GoldBod)، في وقت تسعى فيه الخرطوم إلى تطوير آليات أكثر إحكاماً لشراء الذهب وتتبع حركته من مواقع الإنتاج والتعدين الأهلي، مروراً بالتجميع والتكرير، وصولاً إلى التصدير.

والتقى سفير السودان لدى غانا، غريب الله خضر علي، الرئيس التنفيذي لمجلس الذهب الغاني سامي جيامفي في العاصمة أكرا، حيث ناقش الجانبان عدداً من الملفات المرتبطة بحوكمة قطاع الذهب، والتجارة والاستثمار، والتوريد المسؤول، إلى جانب آليات التتبع والمساءلة.
وبحسب ما أعلنه المجلس، اتفق الطرفان على استكشاف مجالات عملية للتعاون وتبادل الخبرات، بما قد يفتح الباب أمام الاستفادة من التجربة الغانية في تنظيم قطاع الذهب السوداني.

وفد سوداني سبق أن زار مجلس الذهب الغاني

اللقاء الأخير أعاد إلى الواجهة مساراً بدأ في يوليو الماضي، حين استقبل مجلس الذهب الغاني وفداً سودانياً في 21 يوليو، بهدف التعرف بصورة مباشرة على النموذج الذي تطبقه غانا في إدارة قطاع الذهب، ودراسة إمكانية الاستفادة منه أو تكييفه مع طبيعة قطاع التعدين في السودان.
ويقوم النموذج الغاني على منح GoldBod دوراً مركزياً في سلسلة الذهب، يشمل شراء المعدن وبيعه ووزنه وفحصه وتقييمه وتصديره، إلى جانب تنظيم وترخيص الأطراف العاملة في القطاع.
كما يعمل المجلس على تطوير منظومة رقمية لتتبع الذهب منذ موقع الإنتاج وحتى وصوله إلى مرحلة التصدير، في محاولة لتعزيز الشفافية ومعرفة مصدر المعدن ومساره التجاري.
وبدأت تجربة التتبع الرقمي، وفق النموذج الغاني، بنحو 600 موقع للتعدين الأهلي، بما يوفر قاعدة بيانات تساعد على ربط الإنتاج بمصادره ومراحل تداوله اللاحقة.

من المنجم إلى المصفاة

لم تتوقف الإجراءات الغانية عند تنظيم الشراء والتصدير، إذ أضافت أكرا خطوة جديدة اعتباراً من الأول من سبتمبر، تمثلت في إلزام الذهب الخام المعروف بـ (Doré) بالخضوع للتكرير محلياً في مصافٍ معتمدة قبل تصديره إلى الخارج.
ويعكس هذا التوجه محاولة لإبقاء مراحل أكبر من سلسلة القيمة داخل البلاد، بدلاً من اقتصار دور الدولة على تسجيل الإنتاج أو تنظيم عملية التصدير، وهو جانب يبدو محل اهتمام بالنسبة إلى السودان في ظل التحديات التي تواجه السيطرة على حركة الذهب المنتج محلياً.

فجوة كبيرة بين الإنتاج والصادر

ويأتي الاهتمام السوداني بالنموذج الغاني في وقت تواجه فيه الخرطوم تحدياً رئيسياً يتمثل في الفارق الكبير بين كميات الذهب المعلنة كإنتاج محلي والكميات التي تظهر في البيانات الرسمية للصادرات.
وبحسب الأرقام الواردة في البيانات الرسمية، بلغ إنتاج السودان المعلن نحو 70 طناً من الذهب خلال عام 2025، في حين لم تتجاوز الكميات التي ظهرت في الصادر الرسمي نحو 14 طناً.
وتعني هذه الأرقام وجود فجوة تقدر بنحو 56 طناً بين الإنتاج المعلن والصادرات الرسمية.
وتفتح هذه الفجوة أسئلة واسعة حول مسارات الذهب المنتج محلياً، والجهات التي تتعامل معه، ومدى دخوله إلى القنوات الرسمية، فضلاً عن حجم الذهب الذي قد يتحرك عبر أسواق غير رسمية أو خارج النظام المصرفي والتجاري المعتمد.
ولا تعني الفجوة، في حد ذاتها، أن كامل الكمية غير الظاهرة في الصادر الرسمي قد تم تهريبها، إذ يمكن أن تتداخل عوامل أخرى، من بينها اختلاف توقيتات الإنتاج والتصدير، والمخزونات، وطرق احتساب الإنتاج، وتعدد قنوات التداول. إلا أن اتساع الفارق يضع مسألة التتبع والرقابة على رأس أولويات إصلاح القطاع.

الخرطوم تعيد ترتيب قطاع الذهب

ويتزامن ذلك مع تحركات حكومية سودانية لإعادة تنظيم قطاع الذهب داخلياً، من خلال حزمة من الإجراءات التي تستهدف زيادة الكميات التي تمر عبر القنوات الرسمية.
وتشمل الإجراءات تقديم أسعار شراء محفزة للمنتجين، وتوفير التمويل، وتشديد الرقابة على التخزين والصادر، وتعزيز مكافحة التهريب، إلى جانب إجراءات أخرى تستهدف تحسين قدرة الدولة على جمع وتوثيق البيانات الخاصة بالإنتاج والتجارة.
كما تضمنت استراتيجية المعادن السودانية للفترة 2026–2030 توجهات لإنشاء مصافٍ للمعادن وتأسيس بنك للمعادن، بما يعكس توجهاً نحو بناء منظومة أكثر تكاملاً لإدارة الموارد المعدنية وتعظيم العائد الاقتصادي منها.

اهتمام بالاستثمار والتكرير

وفي سياق متصل، بحثت وزارة المعادن السودانية خلال العام الجاري مع شركة مصفاة الذهب السعودية إمكانات شراء الذهب السوداني والاستثمار في القطاع.
وتطور التعاون لاحقاً إلى توقيع اتفاق مع الشركة للاستكشاف والتقييم الجيولوجي والتطوير المنجمي للذهب والمعادن المصاحبة في منطقة البحر الأحمر، في خطوة تجمع بين الاستثمار في مراحل الإنتاج ومحاولات تطوير البنية المرتبطة بالقطاع.
ويشير هذا المسار إلى أن الخرطوم لا تبحث فقط عن زيادة الإنتاج، وإنما تسعى أيضاً إلى توسيع حضورها في المراحل اللاحقة من سلسلة الذهب، بما في ذلك التكرير والتسويق والتصدير.

ماذا تقدم التجربة الغانية للسودان؟

تكمن أهمية التجربة الغانية بالنسبة إلى السودان في طبيعة النموذج نفسه، إذ يجمع بين المركزية في شراء الذهب، وتنظيم المتعاملين، وإجراءات الفحص والتقييم، والتكرير المحلي، والتتبع الرقمي، وتنظيم التصدير.
وفي حال قرر السودان الاستفادة من هذا النموذج، فإن التحدي لن يكون في نقل التجربة كما هي، وإنما في تكييفها مع طبيعة قطاع التعدين السوداني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على التعدين الأهلي والصغير، ويضم عدداً واسعاً من المنتجين والوسطاء والمشترين المحليين.
كما ستظل فعالية أي نموذج مرتبطة بقدرته على توفير حوافز اقتصادية كافية للمنتجين حتى يفضلوا التعامل عبر القنوات الرسمية، إلى جانب وجود نظام رقابي ومعلوماتي قادر على تتبع الذهب منذ خروجه من موقع التعدين وحتى وصوله إلى الأسواق الخارجية.

تجربة غانا تحت المجهر

وتقول GoldBod إن صادرات غانا من ذهب التعدين الأهلي والصغير بلغت نحو 100 طن خلال عام 2025، بعائدات قاربت 10 مليارات دولار، وهو ما يجعل التجربة الغانية محل اهتمام بالنسبة إلى دول تعتمد على التعدين الأهلي وتواجه تحديات مشابهة في ضبط الإنتاج والتجارة.
وبالنسبة إلى السودان، فإن الفارق بين الإنتاج المعلن والصادر الرسمي يجعل مسألة بناء سلسلة واضحة وقابلة للتتبع للذهب أكثر إلحاحاً.
فمن المنجم إلى نقطة التجميع، ومن الفحص والشراء إلى التكرير، ثم من المصفاة إلى التصدير، تبدو المعركة الأساسية بالنسبة إلى الخرطوم مرتبطة بقدرتها على معرفة مسار الذهب المنتج محلياً، وإدخاله في منظومة رسمية تضمن للدولة عائداً اقتصادياً أكبر وتوفر بيانات أكثر دقة عن حجم الإنتاج والتجار
ومع تجدد التواصل مع مجلس الذهب الغاني، قد يكون السودان أمام فرصة للاستفادة من تجربة إقليمية تقوم على تحويل الذهب من سلعة تتعدد مساراتها غير الرسمية إلى سلسلة توريد أكثر تنظيماً، تبدأ من موقع الإنتاج وتنتهي عند المشتري الخارجي عبر قنوات يمكن تتبعها ومراجعتها.
المصدر سودان فاكت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.