بين النفي والتسريبات.. ملف السودان والإمارات يعود إلى الواجهة
في عالم تتداخل فيه الرسائل السياسية مع حسابات القوة الإقليمية، يصبح النفي الرسمي أحياناً أكثر أهمية من الخبر ذاته، ليس فقط لأنه يرفض معلومة منشورة، بل لأنه يكشف ما تحاول الأطراف إخفاءه أو تأجيله أو إعادة صياغته. ومن هذا المنظور، يبدو الجدل الذي أثاره تقرير Middle East Eye بشأن تصريحات منسوبة للفريق أول عبد الفتاح البرهان حول إمكانية فتح صفحة جديدة مع الإمارات أبعد بكثير من مجرد خلاف بين منصة إعلامية ومسؤول سياسي، إذ يضع الضوء على شبكة معقدة من التحركات الإقليمية، وتبدلات الخطاب، وتراجع الحملات الإعلامية، وكلها مؤشرات على أن شيئاً ما يتحرك خلف الكواليس.
فالتقرير الذي تحدث عن استعداد مشروط للحوار مع الإمارات لم يأتِ في فراغ، بل ظهر في لحظة سياسية مشحونة، حيث أصبحت العلاقة بين الخرطوم وأبوظبي واحدة من أكثر الملفات حساسية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. ورغم أن السلطات السودانية سارعت إلى نفي ما ورد فيه، فإن توقيت النفي وسياقه جعلا من الصعب التعامل معه باعتباره مجرد تصحيح لمعلومة خاطئة، بل جزءاً من مشهد سياسي أوسع تتداخل فيه الرسائل العلنية مع الإشارات غير المعلنة.
سياق التقرير: لماذا بدا منسجماً مع التطورات؟
بحسب ما نشرته المنصة البريطانية، فإن البرهان أبدى استعداداً للحوار مع الإمارات إذا أوقفت دعمها لقوات الدعم السريع واحترمت سيادة السودان. ورغم أن التقرير لم يتحدث عن مصالحة وشيكة، فإن مجرد الإشارة إلى احتمال حدوث تقارب أثار جدلاً واسعاً، لأن العلاقات بين البلدين شهدت توتراً غير مسبوق خلال العامين الماضيين.
لكن ما جعل التقرير أكثر إثارة للاهتمام هو أنه جاء متوافقاً مع اتجاه عام بدأ يتشكل تدريجياً: جولة خليجية واسعة للبرهان، أحاديث عن وساطات إقليمية، تراجع الحملات الإعلامية ضد الإمارات، واستمرار الاتصالات الإنسانية والسياسية بين الجانبين. ولذلك بدا النفي الرسمي وكأنه محاولة لإعادة ضبط الإيقاع السياسي، لا إغلاق الباب تماماً أمام فكرة التقارب.
الجولة الخليجية: رسائل تتجاوز البروتوكول
خلال الأشهر الماضية، قام البرهان بزيارات إلى السعودية وسلطنة عمان والبحرين، وهي دول ترتبط بعلاقات وثيقة مع الإمارات، وتتبنى سياسات قائمة على الوساطة واحتواء النزاعات. ورغم أن البيانات الرسمية ركزت على العلاقات الثنائية، فإن مراقبين رأوا في هذه الجولة ما هو أبعد من الدبلوماسية التقليدية، معتبرين أنها قد تكون جزءاً من جهود إقليمية لخفض التوتر بين الخرطوم وأبوظبي.
فالحرب السودانية تحولت منذ وقت مبكر إلى ملف إقليمي معقد، ومن ثم فإن أي محاولة لصياغة تسوية لا يمكن أن تتجاهل العلاقة بين السودان والإمارات. وهنا اكتسب تقرير Middle East Eye وزناً إضافياً، لأنه جاء منسجماً مع هذا السياق.
لغز الأيام الأربعة: غياب البرهان وعودة التساؤلات
من بين المؤشرات وفق مجلة افق جديد التي أثارت الانتباه غياب البرهان عن الظهور العلني لعدة أيام بعد عودته من سلطنة عمان، قبل أن يظهر مجدداً في نشاط رسمي. ورغم أن هذا الغياب لا يشكل دليلاً على وجود مفاوضات سرية، فإن توقيته أثار تساؤلات، خصوصاً أنه جاء بعد جولة إقليمية مهمة وفي ظل أحاديث عن وساطات خلف الكواليس.
وفي التجارب السياسية المشابهة، كثيراً ما تكون المفاوضات الأكثر حساسية هي تلك التي لا يُعلن عنها، بينما تستغرق دوائر صنع القرار وقتاً لتقييم نتائج اللقاءات قبل اتخاذ مواقف رسمية.
تراجع الحملات الإعلامية: مؤشر لا يمكن تجاهله
ربما كان المؤشر الأكثر وضوحاً هو التغير المفاجئ في الخطاب الإعلامي السوداني تجاه الإمارات. فبعد شهور من التصعيد والاتهامات اليومية، تراجعت الحملة بشكل ملحوظ، وانخفضت وتيرة التصريحات الحادة، وتقلصت المساحة المخصصة لمهاجمة أبوظبي في الإعلام القريب من السلطة.
وقد يرى البعض أن هذا التراجع طبيعي في ظل تغير أولويات الحرب، لكن آخرين يعتبرونه خطوة تمهيدية لفتح قنوات تواصل أكثر مرونة، إذ نادراً ما تبدأ المصالحات بالبيانات الرسمية، وغالباً ما تسبقها مرحلة تهدئة إعلامية.
اتصالات لم تنقطع: رواية من داخل أبوظبي
في محاولة لاستجلاء الموقف، نقلت مجلة افق جديد عن إعلامي إماراتي مقرب من دوائر القرار قوله إن الاتصالات بين أبوظبي وبورتسودان لم تنقطع إلا لفترات قصيرة، وإن الإمارات “لا تتمنى للسودان إلا كل الخير”، مؤكداً استمرار المساعدات الإنسانية رغم الخلافات السياسية.
ورغم نفيه امتلاك معلومات مباشرة حول وجود مفاوضات، فإنه لم يستبعد حدوث اتصالات، واصفاً ما يجري بأنه “أمر عارض وهو إلى زوال”. وتكتسب هذه التصريحات أهمية لأنها تتقاطع مع حقيقة معروفة: القنوات الخلفية نادراً ما تغلق بالكامل حتى في أوقات الأزمات.
اتصال أبريل 2024: إشارة لم تُقرأ جيداً
يشير الإعلامي الإماراتي إلى اتصال هاتفي جرى بين البرهان والشيخ محمد بن زايد في 18 أبريل 2024، اتفق فيه الطرفان على تجاوز الخلافات والحفاظ على العلاقات التاريخية. ورغم أن الاتصال لم يحقق اختراقاً، فإنه حمل دلالة سياسية مهمة: القطيعة الكاملة لم تكن خياراً عملياً.
إعادة بناء العلاقات: شرط لعودة السودان إلى وضعه الطبيعي
مصدر سوداني رفيع أكد أن مبادرات سياسية ودبلوماسية تُناقش حالياً لإعادة السودان إلى وضعه الطبيعي، وأن نجاحها يتطلب معالجة التوترات مع دول مؤثرة في الإقليم. فالسودان الخارج من حرب مدمرة يحتاج إلى استثمارات وإعادة إعمار ودعم سياسي، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل صدام مع قوى إقليمية فاعلة.
ما وراء النفي: هل بدأت عملية إعادة التطبيع؟
في ضوء كل هذه المؤشرات، يبدو الجدل حول تقرير Middle East Eye أكبر من مجرد سؤال: هل قال البرهان ذلك أم لم يقله؟
فالتقرير جاء منسجماً مع اتجاهات سياسية وإقليمية متراكمة، والنفي الرسمي لم ينجح في إغلاق الباب أمام التساؤلات، بل فتحه على مصراعيه.
ولا يعني ذلك أن التقرير صحيح أو أن النفي غير صحيح، بل إن السياسة في هذه اللحظة لا تُدار بالحقائق المطلقة، بل بإشارات متبادلة، وتهدئة محسوبة، وقنوات خلفية لا تُعلن.
والسؤال الأكثر عمقاً اليوم ليس: هل تحدث البرهان عن الحوار مع الإمارات؟
بل: هل بدأت بالفعل عملية بطيئة لإعادة تطبيع العلاقات بين الخرطوم وأبوظبي؟
الإجابة لا تزال قيد التشكل، لكن المؤكد أن ما يجري خلف الكواليس أصبح أكثر أهمية مما يُقال على المنابر، وأن النفي الذي كان يفترض أن يطوي القصة ربما كشف ما حاول إخفاءه.
الراكوبة نيوز
