إسحق أحمد فضل الله يكتب: (لماذا الديوان…)
أستاذ عمران
عمرك يقول إنك في محيط الثلاثين، وأنك لم تدرك أيام الجوع وعيش ريقان….. لهذا لن تستطيع أبدًا تصور ما يعنيه ديوان الزكاة….
نحن نعرف،
ونعرف لأنه في عام 83 كان الكاريكاتير وحده يكفي لرسم وجه السودان.
والرسام عز الدين كان يوجز الحال برسم صغير،
وأيامها الكاريكاتير كان بعضه هو.
في المشيعين الذين يحملون جنازة إلى القبر… وكان المرحوم قد انتحر بحرق نفسه، كان أحد المشيعين يهمس لآخر:
: هو.. المرحوم لقى البنزين وين؟
كان البنزين قد اختفى، وعربتك تبقى أمام المحطة ليومين للحصول على جالون واحد.
وفي الكاريكاتير كانت الزوجة تخرج وهي تحمل عكازًا مضببًا، والزوج يقول لابنه الطفل المفزوع:
: ما تخاف… أمك ماشّة تجيب الرغيف.
كان الرغيف قد اختفى.
وكانت الطرفة تقول:
: الكهربا إذا مسكها أي زول تكتلو.. النميري مسك الكهربا.. كتلا..
كانت الكهرباء تختفي.
وكانت مجاعة 84 الرهيبة،
مجاعة تجعل البعض يحفر بيوت النمل ليسرق الحبوب التي جمعها النمل..
والجوع كان يصنع النهب، وإلى درجة أن المواطنين كانوا يقيمون الدوريات لحماية بيوتهم.
وكان الجيش في الجنوب وجنوب النيل يقاتل التمرد، وهو جائع وعريان.
وقائد جنوب النيل يقول للأستاذ علي عثمان:
: جنودي يصطادون الصقور ليأكلوها.
والفقر والجوع أشياء كانت تصنع ظاهرة الشماشة، حيث جيش العطالى في الطرقات كان ينهب المارة… والشرطة تدير عيونها بعيدًا.
والنميري يطلق الكشّة،
والكشّة هي اعتقال المارة… من طرف لتخفيف الجريمة والخطر.
والنميري يصاب باليأس والتعب….
كان كل شيء ينهار.
…. أيامها كان الإسلاميون يقترحون على النميري إقامة ديوان الزكاة،
وكانت خطوة عبقرية.
والنميري يوافق، وبذرة ديوان الزكاة تُبذر، لينقذ الديوان السودان كله من السقوط ثلاث مرات،
الأخيرة منها هي دعم الديوان للناس الآن…
ولحظة بديعة تكشف السوداني وإسلامه.
…. كانت صورة الزكاة عند الناس هي صورة الإسلام،
وصورة الإسلام عند الناس كانت هي صورة الخلوة،
وكانت صورة الخلوة هي… رجال وأطفال، جائعون، قذرون، يمشون في شلاتين، يشحذون في الطرقات باسم الإسلام.
وكانت صورة الزكاة هي التصدق بقرش ونصف، وشيء لا يقدم ولا يؤخر.
… والزكاة في أول أمرها تعجز.
وحاج نور يقول للنميري:
: الفقراء لا شيء عندهم…. والأغنياء يمتنعون عن دفع الزكاة لأنهم لا يثقون في موظفي الدولة…. خصوصًا أن الزكاة لا ضابط لها إلا ضمير يعلم أن الله يراه.
وحاج نور يذكر النميري بأن البصات كان دخلها هزيلًا، حتى جعل النميري أنصار السنة هم الذين يعملون (كما سرة)،
والدخل ارتفع.
والنميري يقول لحاج نور:
: الناس يثقون بكم أنتم… أمسكوا الزكاة.
…….
وديوان الزكاة يحول الديوان من جهة تعطي الملاليم إلى مؤسسة ضخمة لها أبراج، وتدير جانبًا ضخمًا الآن في الجيش والشرطة والأمن والمستشفيات والإعلام والجامعات… وتمتد رعايتها إلى المسلم السوداني في أطراف العالم، ورحلة الديوان الأخيرة إلى الهند لن تكون هي الأخيرة.
…. يا له من دين لو كان له رجال.
إسحق أحمد فضل الله
